العالم
مهدي جمعة رئيسا للحكومة في تونس

المهدي الذي طال انتظاره

الشروق أونلاين
  • 2898
  • 3
ح.م
مهدي جمعة رئيس الحكومة التونسية القادمة

يمكن الجزم دون أدنى شكّ أنّ نجاح الحوار الوطني في تونس، في التوافق بخصوص وزير الصناعة الحالي، مهدي جمعة، رئيسا للحكومة القادمة، يأتي كمثل جرعة ماء لمن تاه في الصحراء طويلا، ولم يعد يقوى على الحركة، دون القدرة أو هي الرغبة في التفكير ـ حينها ـ في الخطوات التي وجب أن تلي “جرعة الماء” هذه، طالما أن العطش صار شديدا والطيور الكاسرة تحوم في السماء.

قطع التونسيون بهذه التسمية مع “الأسابيع العجاف” وصار من حقهم الحلم بل أن تصير “السنوات السمان” يقينًا، حين نصّت خارطة الطريق على الخطوات الموالية، من استكمال للدستور وتنصيب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وتحديد موعد لها.

يأمل التونسيون وكذلك المتابعون للشأن السياسي في هذا البلد، أن يواصل الحراك السياسي مساره ويبني على هذا “النجاح” من أجل القفز فوق جميع “الفخاخ” الطبيعيّة وكذلك المصطنعة، التي تقف أمامه وتحول دون الوصول إلى انتخابات نزيهة وشفافة وديمقراطية، لكن حسابات “الحقل السياسي” لن تأتي بالضرورة متوافقة أو ـ على الأقلّ ـ متقاطعة مع مصالح “البيدر الحزبي” عندما كان كلّ طرف ولا يزال ينظر إلى هذا المسار من زاوية مصالحه الضيّقة.

تشكيل الحكومة لن يكون سهلا، بل من المنتظر أن يتحوّل اختيار كلّ وزير وتحديد كلّ حقيبة وزاريّة إلى “ماراطون” بذاته، أساسًا وزارات السيادة، وعلى رأسها وزارة الداخليّة، حين تعالت الأصوات ولا تزال بوجوب مراجعة “التسميات” التي أقدمت عليها النهضة في هذه الوزارة المهمّة، وجعلتها “ركائز” (بحسب المعارضات)، ستستند إليها في الانتخابات القادمة، ممّا يعني أنّ “حربا” ستندلع دون أدنى شكّ، حول “الشخصيّة” (المستقلّة افتراضا) التي سيكون عليها مراجعة “هذه التسميات” والحسم فيها بما “يرضي الجميع”، دون أن نغفل “إدارة الملف الأمني” الساخن راهنًا…

إنّها سياسة الـ “خطوة خطوة”، التي لا ترغب أو لا تستطيع النظر إلى التي تليها، طالما جاء “همّ اللحظة” أشدّ من الطاقة، و”الصراعات الآنيّة” أشدّ وأنكى.

من الأكيد أنّ السياسة في تونس تأتي أشبه بسلسلة من “الأحاجي” المتتالية، حين لا يمكن اجتياز واحدة دون حلّ سابقتها، ممّا يعني أنّنا أمام “مسلسل” (بالمفهوم الفرجوي)، يمكن أن نراه “إجمالا” أو نعتبر كلّ “حلقة” بمفردها.

الجدل على أوسعه في تونس، وفي كلّ العواصم التي يهمّها الشأن التونسي، بحثا في الأوّل عن “الأسرار” التي جعلت هذا “التكنوقراط” القادم على عجل من فرنسا إلى تونس، ليحتل منصب وزير الصناعة، يقفز ـ رغم جهله بالسياسة وعدم ممارسته لها ـ إلى “رأس الحكومة”، في “نقلة” تتجاوز بل تنفي “المنطق السياسي التقليدي”. 

جيل “التكنوقراط” جاء به، بل “استورده” من فرنسا حكيم القروي (قريب كلّ من حامد القروي الوزير الأوّل السابق وأحمد بن صالح الوزير الأسبق)، حين نصح محمّد الغنوشي عند تشكيل حكومته الثانية بأنّ هذا الجيل “القادم من فرنسا على عجل”، هو الأقدر من غيره على “تجاوز المرحلة” لأنه “عالم بشؤون الناس وجاهل بأصول السياسة”. جيل المهدي حواص، ياسين إبراهيم، سعيد العايدي، سليم شاكر، يرطنون لسانًا عربيا أشبه ما يكون بلسان الفرنجة، كما كتب المؤرخون في السير.

هو جيل يفتخر بفقره السياسي المدقع، حين عجز عن تأسيس ما يؤرخ به، غير سير من الدراسة العالية في أرقى المعاهد (تقريبا) ومسؤوليات في أضخم الشركات المتعدّدة الجنسيات، أو هكذا جاء في ذكرهم.

يمكن الجزم أنّها نقلة بدأت تتأسّس في تونس، أو يتمّ التأسيس لها: “تدنيس” السياسة في شكلها التقليدي، حين شنّت جحافل “الفايسبوك” حملة شعواء على مصطفى الفيلاني صاحب 84 سنة، والمساهم في تأسيس اتحاد الشغل سنة 1946 وكتابة دستور 1959، ليتراجع الرجل ويعلن انسحابه…

من الأكيد أنّ الفرحة بهذا “الذي لم تدنسه السياسة بعد” لن تطول حيث أعلن حسين العبّاسي أن الاجتماعات ستستأنف يوم الأربعاء القادم بغية مواصلة البحث في استكمال بقيّة ما تبقّى من خارطة الطريق، أي إتمام الدستور وتعيين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ممّا يعني جولات أخرى قد تتراوح بين “الملاكمة التقليديّة” و”المصارعة” بشتّى أصنافها، دون أن ننسى تشكيل الحكومة، حين وجب على هذا “الجاهل بالسياسة” أن ينقلب إلى صورة من “معاوية” ونسخة من “ماكيافلي” وبعض من دهاة هذا العصر. 

تلك هي “الثورة” التونسيّة: مسرح لا يخضع إلى “نصّ” (ظاهر) ولا يجري فوق “ركح” (محدّد) ولا يحتمل “ديكورًا” (تقليدّيا)، لتتساوى الفرص، إلاّ ما كان خافيا خلف الستار، وخفيّا في النفوس… تلك مسألة أقرب إلى “السحر” من “المسرح”…

مقالات ذات صلة