المهنة الثانية.. خيار الموظّفين لمواجهة الفقر
تحولت مزاولة وظيفة ثانية إلى ضرورية وإجبارية في زمن التقشف والزيادات في أسعار المواد الغذائية والخدمات، غير أن هذه المهنة السرية والتي كان يتكتم عليها أصحابها ولا يجاهرون بها خجلا من المجتمع تارة وخوفا من إداراتهم تارة أخرى، خرجت اليوم إلى العلن، وأصبحت “شطارة” بل وبات ممارسوها يطالبون الدولة العاجزة عن تأمين مرتب يحفظ كرامتهم بتقنينها وإدراجها في سنوات التقاعد.
لم تعد وظيفة واحدة تلبي احتياجات العائلة، لتأتي الزيادات الجديدة بموجب قانون المالية 2016، وتزيد ميزانية العائلة إرهاقا وتفرض أعباء إضافية لا يكون الخلاص منها إلا في مزاولة وظيفة ثانية، فكرة الموضوع كان مصدرها ممرض يعمل في أحد مستشفيات العاصمة، التقيناه صدفة غير أن مرتبه لا يكفيه لتلبية احتياجات عائلته المكونة من زوجته وثلاثة أبناء، ما أجبره على التعاقد مع أحد مخابر التحاليل في حسين داي، ليقوم بأخذ عينات الدم من المسنين والعاجزين عن التنقل من المخبر داخل بيوتهم مقابل 1000 دج زيادة على تقديمه خدمات أخرى متنوعة منها تغيير الضمادات وتنظيف الجروح كل هذا في المنزل .
وليس الموظف السابق هو الوحيد، فأغلبية عمال قطاع الصحة يزاولون وظائف ثانية، حيث كشف لنا سائق سيارة إسعاف في مؤسسة عمومية، أنه يعمل بنظام 24 ساعة مقابل 48 ساعة راحة أي يومين كاملين بدون عمل، ما جعله يفكر في وظيفة ثانية وبالفعل تلقى تكوينا في الدهان والأسقف الصناعية لتصبح بذلك مهنته الثانية تدر عليه ربحا يفوق الأولى بعشرات الأضعاف، مشيرا أن جميع زملائه مثله يفضلون العمل عوض البقاء في المنزل.
فيما أكد لنا أحد زملائه أن وظيفته الثانية هي خدمات “الماساج” المنزلي باستعمال الزيوت والكريمات للرياضيين والمسنين نساء ورجالا لمدة ساعة مقابل 3000 دج، ومع أن قانون الصحة الجديد رفض ذلك وخيّر العاملين بين القطاع العام والخاص غير أن ظروفهم المادية الراهنة تجبرهم على الجمع بينهما.
رجال أمن وإطارات في مؤسسات عمومية “كلونديستان”
لا يخفى على المواطنين المعتادين على التنقل رفقة السائقين غير الشرعيين “الكلونديستان”، والذين تجدهم مصطفين بجوار مركز بريد باش جراح، أو بمحاذاة محطة الحافلات ببن عمار أو واقفين قبالة مقر جامعة سعيد حمدين، أن البعض منهم يعمل في سلك الأمن منهم أعوان شبيهون وآخرون يعملون في مؤسسات عمومية ويمتلكون سيارات فاخرة، غير أنهم بعد الساعة الرابعة مساء يخلعون بدلاتهم الرسمية وثيابهم الأنيقة ليتحولوا إلى سائقين غير شرعيين يعرضون خدماتهم لإيصال المواطنين مقابل 600 دج وما فوق، حيث أسر لنا أحد السائقين وهو يعمل في إحدى البلديات وسط العاصمة أن أغلبية زملائه من الإطارات ويعملون في مؤسسات هامة وحساسة، فمنهم من يعمل في سلك الأمن وآخرون في مؤسسات عمومية وخاصة، لكن البحث عن تحسين دخلهم هو ما يجمعهم.
الدروس الإضافية والرقية نشاطات علنية خارج الرقابة
ويعرف المجتمع انتشارا رهيبا لممارسة المهنة الإضافية، فقد كان الأساتذة والمعلمون السبّاقون إلى مزاولة الوظائف الثانية، حيث راحوا يقدمون الدروس الإضافية في المنازل بل وحتى المستودعات، فبعض الأساتذة يجبرون تلاميذهم على متابعة الدروس الإضافية عندهم حتى ينجحوا، وقد كشف العديد من أولياء التلاميذ لنا أن بعض الأساتذة لا يتوانون عن تقديم أسئلة الفروض والامتحانات لتلاميذ الدروس الإضافية حتى يعتقد أولياؤهم أنهم يحرزون تقدما بفضلها. أما غالبية الأئمة فكما سبق وأن ذكره لنا أحد العارفين بخبايا القطاع فيحترفون مهنة الرقية الشرعية بعد ساعات العمل، ومنهم من يفضل وضع طاولة لبيع مختلف أنواع الأقمصة الشرعية والمسك والكحل وبعض الكتيبات الدينية، فيما يلجأ آخرون للتعاون مع الوكالات السياحية لجلب الحجاج والمعتمرين لها والاستفادة من بعض الأموال.
ولا تقتصر المهن الثانية على الجنس الخشن فحتى السيدات يمارسن مهنا إضافية عند عودتهن إلى بيوتهن، فمنهن من تقضي ليلها في صناعة الحلويات التقليدية وأخريات في صنع مختلف المملحات و”البوراك” والمقبلات الشهية، فيما تجد بعض الموظفات أنفسهن مضطرات للاستيقاظ باكرا وتحضير المعجنات قبل التوجه إلى مقرات عملهن.
“السناباب”: زيادات الأسعار تفرض رفع الأجور
أوضح عضو المجلس الوطني لمستخدمي الإدارة العمومية “السناباب”، فاطمي عبد القادر، أن القانون الأساسي للوظيفة العمومية واضح وصريح يمنع الوظيفة المزدوجة وبإمكانها تسليط عقوبات على المخالفين غير أنه وأمام تدني المستوى المعيشي ينتهزون الفرصة، فالقانون يمنع ذلك منعا باتا إلا في بعض حالات كبروفيسور في الطب بإمكانه التدريس والعمل في المستشفى وهذا المنع جاء لتحقيق الاستقرار في الوظيفة العمومية، غير أنه وأمام الزيادات في الأسعار، دعا المتحدث الحكومة لإعادة النظر في مرتبات موظفيها وتحسينها حتى لا يتجهون لوظيفة ثانية ويتفادون بذلك الفوضى العارمة، خاصة أن الأجور الحالية لا تكفي حتى أسبوعا.
خبير اقتصادي: على السلطة تأطير الوظيفة الثانية
برر الخبير في الاقتصاد الأستاذ، كمال رزيق، لأصحاب الأجور المتوسطة والمتدنية ما يقدمون عليه من مهن مزدوجة، مؤكدا بأنهم بحاجة لوظيفة ثانية وثالثة بالرغم من أنه ممنوع من الناحية القانونية وتتم بطريقة مخالفة له كما أنها تشكل خطرا على الموظف فهو لا يتمتع بالتغطية الصحية الضرورية، وتساءل الأستاذ رزيق إذا كان بإمكان جميع الموظفين تحصيل مهن ثانية خاصة أن نسبة البطالة حسب إحصائيات رسمية تبلغ 10 بالمائة وغير رسمية 30 بالمائة، واستطرد المتحدث أن الموظفين يتحملون حاليا أعباء كثيرة خاصة أن الأجر القاعدي 18 ألف دينار والدراسات تثبت أن الموظف حاليا يجب أن لا يقل مرتبه عن 60 ألف دينار لتغطية احتياجاته لذا أصبح من الضروري على السلطة تأطير الوظيفة الثانية من الناحية الصحية والتقاعد حتى تفتح المجال لتحسين الأجور تحسين القدرة الشرائية ورفع الاقتصاد الوطني وتحسينه.
حماية المستهلك: الوظيفة الثانية بحاجة إلى إعادة الاعتبار
اعتبر رئيس جمعية حماية وإرشاد المستهلك ومحيطه مصطفى زبدي، الوظيفة الثانية أمرا واقعا ووضعية قائمة بحد ذاتها تقتضي التصحيح فالكثير من الموظفين يزاولون نشاطات أخرى لذا بات من الضروري ضبطها حتى لا يفرط العامل في وظيفته الأولى غير أنه بإمكانه العمل لساعات إضافية في القطاع الخاص أو في مشروع خاص به، ودعا المتحدث لإعادة الحقوق لأصحابها من خلال تنظيم المهن الإضافية ومراقبتها عكس ما هو جار الآن فجل الموظفين يعملون كـ”كلونديستان”، “رصاص” بدون تصريح وحقوقهم ضائعة.