المُتفرّج الجزائري وومضات الإشهار في كأس إفريقيا 1990
احتضنت الجزائر نهائيات كأس أمم إفريقيا لِكرة القدم لِأوّل وآخر مرّة شهر مارس من عام 1990، في أجواء عالمية مُميّزة.
وكان التاريخ المذكور أعلاه يُشير إلى انهيار المعسكر الشرقي، على غرار سقوط جدار برلين أربعة أشهر قبل تنظيم البطولة الإفريقية، وتغوّل الفكر اللّبيرالي.
ولا يُمكن للمنافسات الرّياضية أن تتجنّب ما يجري في ربوع المعمورة، أو تبقى في معزل عن أحداث تدور رحاها في منطقة أو مناطق من العالم. فجائحة “كورونا” أخّرت بِسنة من الزّمن إقامة عدّة تظاهرات، على غرار أولمبياد العاصمة اليابانية طوكيو، وبطولتَي أمم أوروبا وإفريقيا لِكرة القدم، وغيرها من المسابقات.
ولِأن الإشهار (أو الإعلان بِلغة المشارقة) أحد أبناء الفكر اللّبيرالي، وفن جذب المستهلك، أو توجيه الزّبون نحو سلعة مُعيّنة. فقد اكتسى “كان” 1990 حلّة تسويقية لافتة لم يتعودّ عليها الجمهور الجزائري، والمُتفرّج تحديدا، في زمن التلفزيون الواحد. وبِعبارة أخرى، صار يُعرض أمام المُتفرّج الجزائري قبل بثّ مباراة في هذه البطولة (أو بين الشوطَين أو بعدها)، كمّ هائل من الومضات الإشهارية. وربّما يتذكّر البعض ومضة سراويل “رعاة البقر” (الجينز) موضة الشباب في تلك الفترة، والإعلان عن إنتاجها محلّيا بِعلامة تجارية stand-by، ولا نتحدّث عن طرحها في الأسواق، لأنها لم تظهر بتاتا وبقيت حبيسة التلفزيون. وأيضا ومضة إشهارية أخرى عن دواء تساقط الشعر والصّلع، ومخابر الدّكتور “فلان بن علان”.
ولم يقتصر الأمر على التلفزيون، بل تعدّاه إلى الملاعب، ليس على هوامشها وإنمّا فوق المدرّجات. حيث نصّب المُنظّمون لوحات إشهارية عملاقة بِملعب “5 جويلية 1962″، كما تُظهره الصورة الأولى المُدرجة، في إحدى مقابلات المنتخب الوطني خلال البطولة الإفريقية لِعام 1990.
الرّائج قبل هذا العهد الجديد، أن التلفزيون الجزائري كان يكتفي بِعرض لقطات هزلية ساخرة (تشارلي تشابلن وشلّته) ما بين شوطَي المقابلات، أو رسوم متحرّكة من شاكلة “الفهد الوردي”، أو “توم وجيري”، أو “نقّار الخشب”!
عالميا وفي دهاليز الاتحاد الدولي لِكرة القدم، وخلال عهداته الرّئاسية الستّ ما بين 1974 و1998، كان البرازيلي الرّاحل جواو هافلانج أوّل من زرع بذور “البزنس” في الحقل الكروي، ولفظ “البزنس” هنا مرادف للتجارة بِمفهومها السّلبي المُفضي بِالضّرورة إلى الفساد.
وجواو هافلانج – للذّكر – ينتمي إلى سلالة الرّجل الأبيض في البرازيل، الأقلية التي تمتصّ خيرات البلاد، وتستأثر بِكبرى المناصب، ذات الدخل المُرتفع والامتيازت الخرافية. حتّى في الدراما البرازيلية (المسلسلات اللاتينية)، فإن البطل دائما يُقدّم في هيئة رجل أبيض ووسيم وأنيق ومفتول العضلات، وصاحب الدور الثانوي أسود دميم ذميم (هيئة وأخلاقا)، أو أسمر قبيح المنظر، أو صقر تقدح عيناه شررا، ويصدر عنها وميض مع خلفية موسيقية مُرعبة.
ثمّ جاء من بعد هافلانج ذراعه الأيمن السويسري جوزيف بلاتر، الذي لم يلتفت يمينا وشمالا، ومضى في طريقه وهو لا يُبالي مُشرعنا للفساد. فمثلا في منافسة كأس العالم صيف 2006، طلب من مسؤولي اتحاد الكرة الألماني مستضيف النّسخة، بِأن يمنعوا تنصيب أيّ لافتة على مقربة من الملاعب التي تحتضن المقابلات، وحدّد لهم مسافة مُعيّنة من الجهات الأربع. بِمعنى آخر، لو رأى بلاتر لافتة لِشركة غير متعاقدة مع “الفيفا”، في شرفة أو فوق سقف فيلا أوعمارة أو شارع أو حائط مُحاذي للملعب، فسيدفع مسؤولو اتحاد الكرة الألماني الثمن غاليا.
وقدم من بعد في مطلع سنة 2016 إلى رئاسة “الفيفا” سويسري آخر بِاسم جياني أنفونتينو (الصورة الثانية والأخيرة المُدرجة)، فتميّز بِأنه عَصَرَ خبث سلفَيه هافلانج وبلاتر، وبات الفساد يمشي فوق العشب الأخضر، بِدليل شرائه لِذمم عديد مسؤولي الكرة الإفريقية أبرزهم “المرّوكي” فوزي لقجع، ونصّب بِوقاحة رجلا مواليا له رئيسا لـ “الكاف” في عام 2017 (أحمد أحمد) و2021 (باتريس موتسيبي)، وخنق الأجندة بِمنافسات جديدة (مرادفة لِتعظيم الأرباح = تضخيم رصيده البنكي)، وتلاعب بِملفّات تنظيم كبرى التظاهرات، ومنح شرف الإقامة لِمَن يدفع أكثر تحت الطاولة، كما كان الشأن في كأس العالم 2030 و”بدعة” إقامتها في ثلاث قارّات. وما خفي أبشع.