الرأي

المُقعد والمتقاعد والمتعاقد!

عمار يزلي
  • 3340
  • 0

عندما تنتقد هيئات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الجزائر بخصوص تقصير هذه الأخيرة في حق “ذوي الحاجات الخاصة”، لا أحد يقول إن هذا كذب وافتراء، ولا يجرؤ أحد أن يرد على هذه “التهم” لأنها واقع حال! فذووو الحاجات الخاصة، “يخصهم” أكثر مجرد ممرات خاصة بهم بحسب التقرير الأممي، بل هم بحاجة إلى الرعاية كلها: ممرات ومواقف خاصة بهم وشبابيك استقبال، وحافلات مزودة بآلية رفع ذوي الكراسي المتحركة وإنزالهم، وتخصيص مقاعد لهم وحتى حمامات ومراحيض! المسألة تتعلق بالمكفوفين والمقعدين على كراسي متحركة وصم وبكم والمعاقين ذهنيا! وإذا أردنا أن نرضي الأمم المتحدة، فإنه ينبغي علينا من الآن أن نرد الاعتبار لكل المواطنين الجزائريين: لأننا كلنا ذوي حاجات خاصة! التالي فينا “بريسك مهبول”!

 

لقد تحولنا إلى أعصاب متوترة: لا نرى ولا نسمع ولا نسوق بدراية ولا بعقل! ألسنا كلنا بحاجة إلى ممرات آمنة! ينقصنا أيضا ممرات للراجلين تكون محترمة وممرات للدراجات تكون محترمة وأخرى ربما للكلاب، وأماكن خاصة بالمتسولين وأماكن جلوس المتقاعدين والقاعدين عن العمل! نحن كلنا بحاجة إلى رعاية وحقوق إنسان لم يصل إليها الأسوياء، فما بالك بالمعاقين المساكين! المعاق عندنا، أكثر من غيره لأنه يعاني الأمرًين معا: لأنه إنسان، ولأنه جزائري في الجزائر ولأنه معاق! ثلاث عقبات على الأمم المتحدة أن توحد جهودها لمساعدتنا في انتقال الإنسان الجزائري من قاعد إلى قائم ومن إنس إلى إنسان!

نمت على هذه المسخرة الأممية منا وهذه الوضعية الساخرون من أنفسنا، لأجد نفسي متابعا لحقوق ذوي الحاجات الخاصة: ألاف الإدارات تقع في الطوابق العليا ولا توجد بها مصاعد لا للعاديين ولا للمعاقين! بل إن بعض مديريات التضامن، في بعض الولايات، عليك أن تتسلق الجدران لكي تصل إلى مكاتبها! معلقة في عمارات!”إدارة في عمارة”! قال لي أحد “المقعدين” على كرسي متحرك ثابت (خاسر، لا يتحرك إلا بدفع رباعي!): كلما آتي إلى هذه “الإضارة”، يضرني جيبي وتضرني صحتي: كلاندستان ذهابا وإيابا وأدفع لمن يحملني على ظهره إلى الطابق الثالث! الحمد لله أني لا آتي إلا مرة واحدة في الشهر! قال لي: يجب على الحكومة أن تعتني بنا قليلا: قلت له: يا رجل! تعتني بالمقعدين أم بالمتقاعدين أم بالمتعاقدين؟ كل هؤلاء عندهم مشاكل وحقوق لم يتمكنوا منها رغم أنهم أسوياء وأصحاء! قال لي: أنا مقعد ومتقاعد ومتعاقد في نفس الوقت! خرجت إلى التقاعد النسبي بعد حادث المرور الذي أقعدني على هذا الكرسي! لم أعمل سوى 5 سنوات! تصورا معاش عن عمل 5 سنوات! يعطوني 5 آلاف دينار شهريا! ولهذا أنا أعمل الآن “متعاقدا” أحرس حظيرة سيارات في الليل لأنه لا منزل لي بعد أن أخذت مطلقتي البيت مع الأولاد وبقيت أنا في الشارع بفعل قانون الأسرة المحترم!

قلت له: حتى “الإضارة” من ذوي الحاجات الخاصة مثلك: إنها لا تسمع ولا ترى وتجلس على كراسي ثابتة غير متحركة لهذا لا تتحرك ساكنا! قال لي: لكن يرون ويسمعون أنفسهم! يجلسون على “الفوتوي” ويشربون “لاتاي” وعندهم سكرتيرات وسيارات وفيلات ودخلات وخرجات! قاعدون متقاعدون! أما نحن، فإنهم يتقاعدون بنا ومن عقدنا، لكننا لسنا معقدين منهم! لأنهم هم المُعقَدون منا!

وأفيق وقد وقعت من سريري! الحمد لله سقطت لأجد نفسي قاعدا: كلفني ذلك كرسيا متحركا لثلاثة أشهر، عرفت بعدها قيمة أن تكون راجلا!

مقالات ذات صلة