منوعات
نال البكالوريا بامتياز رغم اليتم والفقر وفقدان البصر

النابغة بوختاش عبد المليك.. معاقٌ تخرّج في كلية الحقوق ويطمح لنيل دكتوراه في التاريخ

صالح سعودي
  • 4385
  • 3
ح.م
النابغة عبد المليك

ترك بوختاش عبد المليك القاطن في مدينة آريس بباتنة بصماته في مجتمع لا يؤمن إلا بالأصحاء، وتعامل مع معطيات الحياة من موقع قوة، انطلاقا من قوة شخصيته وإصراره على النجاح، ورغم فقدانه نعمة البصر منذ الصغر، إلا أن الله عز وجل ألهمه نعمة البصيرة، حيث نال شهادة البكالوريا بامتياز عام 1996، وتصدَّر قائمة الناجحين على مستوى الشرق الجزائري (شعبة آداب وعلوم إنسانية) بمعدل 13.17، حيث نال حينها أعلى نقطة في الفلسفة (15.50) دون اللجوء إلى الدروس الخصوصية التي أصبحت من الثوابت في الوقت الراهن.

ودشَّن المكفوف عبد المليك بوختاش الملقب بـ”بلة” مرحلة الدراسة الابتدائية عام 1985 بمدينة بسكرة (مدرسة البراي) وتحول إلى مدينة قسنطينة في منتصف مرحلة المتوسط، ليعود إلى مسقط رأسه أثناء فترة دراسته الثانوية بثانوية محمد يكن الغسيري التي توج فيها بشهادة البكالوريا بامتياز، وكان يطمح في مزاولة دراسته الجامعية في المدرسة الوطنية للإدارة، إلا أن الإعاقة جعلت الجهات المعنية لم تردّ على طلبه، ما جعله يدرس في كلية الحقوق التي تخرّج فيها بشهادة الليسانس في العام 2000.

وبرغم متاعب البطالة التي لازمته لمدة عشرية من الزمن، إلا أنه عرف كيف يغطي الفراغ بمشاريع مع أصدقائه والاشتغال مؤقتا في عقود ما قبل التشغيل، كما عمل إماما متطوعا في مسجد “تاغروت غسيرة” بآريس مكلف بالصلوات الخمس وإلقاء خطبتي الجمعة، حيث تمت تزكيته بناءً على سمو أخلاقه وتكوينه النوعي من الناحية العلمية والدينية إضافة إلى جرأته في مخاطبة وإقناع الجميع، وفي 2010 نجح في مسابقة التوظيف التي نظمتها ولاية باتنة، ليتولى منصب متصرّف إداري في مقر دائرة آريس، وهو ما سهّل له المهمة لتحسين ظروف حياته من الناحية المادية، ليكمل نصف دينه منذ 3 سنوات، مفضلا تحمل مسؤولياته لتكوين أسرة ناجحة على غرار كل مواطن يؤمن بالحقوق والواجبات.

ويبقى الأمر اللافت للانتباه في حياة بوختاش عبد المليك هو الشعبية الكبيرة التي يتصف بها، سواء خلال فترة الدراسة التي خطف فيها الأضواء في ثانوية آريس وفي جامعة باتنة (العرقوب) أو في الإقامة الجامعية عمار عاشوري، ومؤخرا في محيطه المهني على مستوى دائرة آريس، وأرجع “بلة” سرّ ذلك إلى البساطة التي يتحلى وتفادي كل أشكال التملق، مؤكدا أنه لا يتوانى في مساعدة وتوجيه الجميع، معتبرا أن الإعاقة ظاهرية فقط وليست باطنية، كما يحرص على الانضباط والتواضع في التصرفات الشخصية، ويسعى حسب قوله إلى مساعدة وتوجيه الناس واستقبالهم بحفاوة، معبرا عن ارتياحه لأنه من المكفوفين الناجحين في الإدارة الجزائرية.

وإذا كان بوختاش قد نجح في تسيير أموره المهنية واليومية والعائلية، فقد راوده الحنين مجددا إلى الدراسة، حيث نال الصائفة الماضية ليسانس في التاريخ، ما أهّله لدخول معترك الماستر، ويحتل حالياً المرتبة الأولى في دفعة تخصص تاريخ معاصر بناء على نتائج السداسي الأول، ويأمل محدثنا في نيل شهادة الدكتوراه في التاريخ، حتى يتبوّأ مدرجات وقاعات الجامعة كأستاذ يتولى تقديم الدروس والمحاضرات لتأطير الأجيال المقبلة وتكوينها.

من جانب آخر يتمتع بوختاش بثقافة متنوعة وله اطلاع واسع على شؤون الجلد المنفوخ، وعلاوة على مناصرته لمولودية باتنة منذ الطفولة، فإنه يملك رؤية فنية وتنظيمية بخصوص التسيير الرياضي، ناهيك عن ثقافته العالية بخصوص الرياضة العالمية، ويأمل في الوقت نفسه التألق للمنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم.

وأكد عبد المليك ضرورة استغلال الوقت بما يفيد المجتمع في الجانب المهني وعدم الاستهانة بالعمل التطوعي وفق ما يخدم أمور الفرد الدينية والدنيوية، ونوّه بجهود زوجته الكريمة التي حفزته على مواصلة دراسته الجامعية في تخصصه الجديد (تاريخ)، وأكد “أنّ لكل شيء إذا ما تم نقصاناً”، متمنيا من الله أن يُلهمه دائما نعمة العقل والصحة ويحفظ والدته وزوجته، والقيام بما يمنح إضافة نوعية للمجتمع.

مقالات ذات صلة