النساء الحارسات يكابدن التحرشات بأماكن العمل
أظهرت العشرية السوداء بالجزائر شركات الحراسة الخاصة التي تستغلها كل المؤسسات الاقتصادية والوكالات الخاصة، حيث تضم مجموعة من الشباب للقيام بهذه المهمة، والغريب أن من بين العاملين بهذه الشركات سيدات وفتيات لا بنيتهن ولا طبيعتهن الأنثوية تنبئ بمقدرتهن على أداء هذه المهمة، فكيف يمارسنها يا ترى؟
”دليلة” إحدى حارسات الإقامة الجامعية بدالي إبراهيم، لا يتجاوز سنها العشرينات، قصيرة القامة وضعيفة البنية، التحقت بعملها منذ سنتين، تحرس البوابة ليلا ونهارا، حسبما يقتضيه جدول الحراسة، قالت إن أكثر ما يزعجها هو عدم وجود حجرة لتغيير الملابس، إذ أنها نفس الحجرة التي يتداولن عليها مع بقية الحراس من الرجال.
وتخيفها حراسة الليل التي تتحول فيها إلى حارسة لنفسها قبل أن تحرس الإقامة والأجنحة المختلفة، فهي غير قادرة على ضمان الحماية لنفسها من الذئاب المحيطة بها من رفاق العمل، خاصة وأنه لم نتعوّد قبل في المجتمع الجزائري على أن تعمل النساء ليلا جنبا إلى جنب مع الرجال، وفي مهنة رجولية كالحراسة.
وتعترف صديقتها “سعيدة” أنها تعرضت لتحرشات من الزملاء لكنها قمعتها في بدايتها، وتعاونت على ذلك مع الزميلات بأن تبرمج الحراسة مع رفيقة لها تتقاسم معها هموم المهمة طيلة الليل، إلى أن ينبلج النهار وتظهر معه بوادر الأمان.
إلا أن هذا الأمر يفوت عليهن النوم للحظات وأخذ قسط من الراحة أمام أداء هذه المهمة الصعبة حتى على الرجال، في حين يستمتع الرجال بالنوم العميق ويتركون الواجب بكل ثقله على عاتق الفتيات، عقابا لهن على عدم الاستجابة لمطالبهم الدنيئة.
مشكل آخر واجهته “عتيقة” بإقامة بن عكنون للذكور، حيث تتعرض باستمرار للمشاكل والحرب الكلامية مع المقيمين الذكور، الذين يتعمدون الفرار من تفتيش بطاقاتهم عند المدخل، فمنهم من يشتمها ومنهم من يتغزّل بها بكل بذاءة، وكل هذا لا يساوي لحظة واحدة من الحراسة الليلية بالحي، حيث يتعمد الذكور الخروج من الأجنحة للتسامر معها وهي لا تضمن تصرف أي واحد منهم وليس لها ما تحمي به نفسها إلا أدوات بسيطة تحتاج إلى قوة جسدية لتستخدمها على أكمل وجه.
“بديعة” المطلقة كانت مطمع الجميع بالإقامة الجامعية بدالي إبراهيم، لكنها أثبتت لهم أنها قبلت بالوظيفة لأنها محتاجة لضمان لقمة عيش كريمة وليس للخروج عن طبيعتها كامرأة، وكان هذا ردّ أغلب العاملات كفتيات حراسة بالمؤسسات الخاصة.
وعلى قدر ما كان احتمالهن كبيرا للابتزازات التي يتعرضن لها كان أرباب العمل مجحفين في حقهن، إذ لا يتقاضين إلا مبلغ 15 ألف دج شهريا، لا يتكفل بنصف مصاريفهن.
أما “سعاد” فقد وضعت استقالتها منذ الأسبوع الأوّل من العمل بعد أن باغتها أحد الزملاء في الواحدة بعد منتصف الليل، محاولا التعدي عليها، ولما عرفت انه من أقرباء صاحب شركة الحراسة فضلت التنازل عن العمل وربح شرفها بدلا من الركض وراء حق ضائع في أروقة المحاكم.
والغريب أن أغلبهن من ذوات المستويات التعليمية التي تسمح لهن بإيجاد العمل المناسب لهن، حتى أن إحداهن تحمل شهادة الكفاءة في العلوم القانونية، لكن المحسوبية ونظام المسابقات حرمهن من الحصول على الوظيفة التي تحمي أنوثتهن -على حد تعبير واحدة منهن-.
وعن النظرة العامة للمجتمع عن هذه الشريحة من العاملات أخبرتنا الطالبة “كريمة”: “هن عاملات كبقية الموظفات يطلبن رزقهن بطريقة شريفة، إلا أن مجتمعنا رجعي ويتوقع السلبي من الأمور قبل وقوعها”، أما “فتيحة” فقالت إن مثل هذه الوظائف لا تليق بالنساء، واللاتي يقبلن بها يعرفن من قبل ما سيحدث لهن، ومن المفروض أن يطلبن الرزق في وظيفة أخرى.
فهل اخطأ أولئك النسوة بقبول هذه الوظائف، أم أن الحاجة هي التي دفعتهن إلى أكل لقمة العيش من مورد غير صاف؟.