الرأي

النصف الفارغ من الرأس

حبيب راشدين
  • 3199
  • 15

منذ اندلاع أحداث الربيع العربي “المركوب” تعرضت لانتقادات واسعة من القراء العرب، نلت فيها ما شاء الله من التهم، أقلها: تهمة موالاة الطغاة من حكام العرب، لأني لم أساير الموجة التي أرادت اختطاف إدارة عقول العرب، قبل أن تختطف دولهم، وكان قبلهم “شيعة” سواد العراق من أتباع البيت الأبيض قد اتهموني بموالاة البعث استرزاقا، فيما زعم “سنتهم” من ركاب الدبابة الأمريكية، أني متشيع يمارس التقية.

 غير أني لم أكن لألتفت إلى مثل هذه التهم، التي لا ينجو منها من يتعاطى مع الرأي العام، لولا أن هذه الادعاءات، ومثلها مما زرعه بعضهم على الشبكة تعقيبا على المقال الأخير: “النصف المليان من الكأس” قد حفزتني على الخوض في أعراض عاهة “النصف الفارغ من الرأس”، عند طائفة من القراء في العالم العربي، أراها تدعي مقاومة الفكر الأوحد بتدوير مخلفات ثقافة الحزب الواحد، وهي أقرب إلى تعاليم معبد بوش الابن، تردد خلفه: “من ليس معنا فهو ضدنا” ولأني لم أكن مع “الإخوان،” فأنا بالضرورة ضدهم، ولم أوال “الشيعة” في موالاتهم للمحتل فقد صرت عدوا لهم، ولم أعضد “السنة” حين تركوا السنة، واتبعوا سنة موالاة النيتو في ليبيا وسورية، فقد أخرجني بعضهم من الملة، ولأني جازفت بالثناء على تقييم لويزة حنون للاستحقاق الرئاسي الأخير، فقد تحرك “النصف الفارغ من الرأس” في اتجاه تحرير الشتيمة، وتلفيق التهم.

وفق هذا المنطق المنفلت العقال في خلاء “النصف الفارغ من الرأس”، قد أكون واحدا من أكبر المفلسين على وجه الأرض، لأني أكون قد سخرت قلمي بالمجان للطواغيت من حكام العرب، بدءا بحكام بلدي الذين أحالوني على البطالة، منذ أكثر من عشرين سنة، بتهمة المروق عن “حكم الأسياد” وعض “اليد المنعمة”، حين تطاولت على رأس الدولة في عهد سيادة الحزب الواحد، وأنا على رأس جريدة قومية، فكان الطرد، فالملاحقة الأمنية والقضائية، فقطع الرزق. 

وقد نلت مثله في زمن التعددية، مع تعليق أسبوعية “الصح ـ آفة” تبعته مطاردة لصيقة لي في أكثر من نصف “دزينة” من الصحف الوطنية، تعاملت معها كما أتعامل اليوم مع “الشروق” بالقطعة، وقد كان ذلك مصدر رزقي الوحيد في العشرين سنة المنصرمة، بعد أن خرب هذا النظام مساري المهني، لأجد نفسي بعد أربع وأربعين سنة من العمل، بلا معاش ولا ضمان اجتماعي، وقد أغلق في وجهي الأبواب بإحكام، ربما ليقول لي: “هيت لك”، حين آثرت ألا يقد قميصي لا من قبل ولا من دبر.

وحتى يهدأ “النصف الفارغ من الرأس”، أريد أن أطمئن الجميع: لم أتخذ من الصحافة مهنة أو مطية للعبور، حتى أضطر لمداهنة السلاطين، حفاظا على مصدر الرزق، أو طمعا في القرب، وليست الصحافة عندي بابا لطلب الشهرة حتى أماري في الحق، فأركب مع الراكبين موجة الرأي السائد. ويبقى بيني وبينهم حكم المأثور من كلام الشافعي، أقتبسه في صيغة تليق بالمقام: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، وتهمكم خطيئة تستوجب الاستغفار”.

مقالات ذات صلة