النظام السوري أول من يستقبل الوافدين العرب للقتال
يكشف رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية حول سوريا، فهد المصري، في الجزء الثاني من حواره لـ “الشروق”، عن المسالك التي يتخذها الشباب العرب للوصول إلى الجماعات المسلحة في سوريا. ويؤكد المعني أن الأمن السوري هو أول من يستقبل وفود المقاتلين، كما لا يتوانى المعني في اتهام دمشق وطهران وموسكو بالوقوف وراء تنظيم داعش والتي يسميها بـ “شركة إيرانية ـ سورية بتعاون أمني روسي”. ويعمم اتهامه لقطر ويقول إنها ترعى معسكرات التدريب.
ماذا عن بقية المقاتلين العرب والأجانب من حيث العدد والمسؤولية؟
شكلت الدفعات الأولى من المقاتلين العرب والأجانب إلى سوريا أرضية خصبة لتسهيل استقبال الوافدين الجدد. ودون شك، فإن تأمين السفر وبطاقة السفر بالطائرة للوافدين وخدمة الاستقبال في المناطق والمدن الحدودية يعني بالضرورة وجود شبكات منظمة منتشرة تمتلك الإمكانات المالية واللوجيستية.
وهذه الشبكات متعاونة مع عدة تنظيمات وجهات تسعى إلى تجميع أكبر قدر ممكن من المقاتلين العرب والأجانب في بقعة جغرافية واحدة مستندين إلى قاعدة إيديولوجية “جهادية” تمتلك القدرة على الإقناع والاستقطاب إلى جانب أن القسم الأكبر من الوافدين “المجاهدين” هم أساساً من حملة عقيدة “السلفية الجهادية” وقسم منهم سبق له المشاركة بالقتال في مناطق ساخنة مختلفة كأفغانستان والعراق وغيرها وليس مستغرباً على هؤلاء القيام بالتوجه إلى سوريا على نفقتهم الخاصة حتى لو تطلب هذا بيع مقتنياتهم الشخصية وأثاثهم المنزلي كما هي الحالة لدى العديد من السلفيين الجهاديين الأردنيين من الذين التحقوا بسورية تسللاً عبر الحدود الأردنية ـ السورية.
من الملاحظ أن المناطق والقرى الحدودية الأقرب والأسهل للتسلل إلى سوريا وبشكل خاص القريبة من الحدود مع تركيا شهدت عمليات استقبال الوافدين بالتعاون مع عملاء ومرتزقة من السكان المحليين وعملاء لأجهزة أمنية على رأسها الأجهزة السورية فافتتحت عدة مقرات لاستقال الوافدين سمي المقر (مضافة) يقوم بتأمين خدمات الإيواء والغذاء ووسائل الاتصال والإنترنت للوافد بانتظار تعليمات نقله إلى أحد المعسكرات.
المضافة المحطة الأولى على الأراضي السورية للالتحاق بالمعسكرات التي يخضعون فيها لدورات في “العقيدة الجهادية” ودورات في استخدام صنوف الأسلحة والذخائر. ومن تلك المضافات “مضافة جرابلس” و”مضافة حريتان” في ريف حلب و”مضافة أطمة” في ريف إدلب التي تعتبر المحطة الأولى لنقل الوافدين إلى مدينة “كفر تخاريم” للالتحاق بالمعسكرات والفصائل المقاتلة.
في الربع الأول من عام 2012 بدأ تسجيل توافد المقاتلين العرب والأجانب إلى سوريا بشكل تدريجي وتصاعدي على شكل أفراد تنتظم مع وصولها إلى مجموعات. واستمر التوافد حتى كتابة هذا البحث.
ومن الملاحظ أن توافد العديد من الجهاديين من أوروبا الغربية باتجاه سوريا عبر الأراضي التركية، وبشكل خاص بعد أحداث باريس الإرهابية التي وقعت
بتاريخ 07/ 01/ 2015. كما تم تسجيل توافد موجة جديدة من دول إفريقية مختلفة من نيجيريا ومالي وساحل العاج وغيرها مع بداية العام الحالي.
ما هي المسالك التي يتخذها المقاتلون للوصول إلى التنظيمات المسلحة في سوريا؟
تمتلك سوريا حدودا برية طويلة مع دول الجوار لا يمكن لمقاتلي المعارضة بإمكاناتهم المحدودة ضبطها، لا سيما وأن أغلب المعابر الحدودية قد سقطت من سيطرة النظام (طول الحدود السورية مع دول الجوار: العراق 605 كم، الأردن 375 كم، لبنان 370 كم، تركيا 822 كم. وهناك 19 معبرا حدوديا خارج السيطرة)، عبر الحدود التركية ودخولهم ريف محافظة إدلب بالتسلل عبر بلدة أطمة الحدودية وريف محافظة حلب عبر تلال الشام/ معبر السلامة
عبر الحدود السورية ـ العراقية
عبر الحدود السورية ـ اللبنانية
عبر الحدود السورية ـ الأردنية
التغول وتمدد التنظيمات الإرهابية في سوريا خاصة داعش يطرح التساؤل عن كيفية إقامة عمليات التجنيد والتدريب؟
طرق الاستقطاب والتجنيد:
عبر العلاقات الشخصية من جهاديين سبق لهم العمل والتعاون أو التنسيق المشترك وبشكل خاص المقاتلين العرب الذين نشطوا في أفغانستان والعراق والجزائر وغيرها.
عبر شبكات استقطاب وتجنيد مباشر من مجموعات صغيرة تتألف من عدة أفراد منتشرة في أغلب الدول العربية والغربية. وقد تم تعيين أمير لداعش في بلدان تواجدهم التي يمكن أن تشكل مصدرا هاماً لتوريد “الجهاديين” ويتم العمل على من يتم تجنيده على توجيهه أو تدريبه ضمن اختصاص أو اتجاه عسكري/أمني معين بما يخدم استراتيجية العمليات والوضع في عين الاعتبار إمكانات الاستفادة من قدراتهم الذاتية والمعرفية العملية والمهنية مهندس اتصالات ـ خبير معلوماتية ـ إعلامي ـ الخ،
ـ الحلقات والدروس الدينية
ـ استخدام بعض المساجد في المناطق والمدن والقرى الفقيرة أو المهمشة خدمة لأهدافها باسم الدعوة
ـ عبر السجناء والمعتقلين على ذمة قضايا تتعلق بالتطرف والإرهاب.
ـ تجنيد الفارين من القضاء والسجن في دولهم/ تجنيد السجناء الجنائيين الذين أطلق سراحهم بمعرفة الأجهزة الأمنية أو فروا من سجونهم في سوريا.
عملاء ـ متعاونون ـ عناصر وضباط في أجهزة أمنية محلية وإقليمية ودولية مختلفة (أعدمت داعش 6 من عناصرها من الطاجيك في بداية 2015 في محافظة دير الزور من التابعين أو المتعاونين مع المخابرات الروسية).
عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الجهادية الإلكترونية لاستقطاب يافعين وشباب صغار السن لسهولة إقناعهم وتسييرهم لاستخدامهم في العمليات الانتحارية.
المخدوعون: هؤلاء يمكن أن نقسمهم إلى قسمين:
القسم الأول: يافعون وشباب حديثو السن آلمهم ما يرونه عبر الفضائيات واليوتيوب والإنترنت من مجازر يمتلكون قدرا كبيرا من براءة الأطفال وحماسة الشباب لا سيما القادمين من دول أوربية تعلموا في المدارس ونهلوا قيما إنسانية عن الحرية والعدالة والديمقراطية ويريدون تطبيق ما تعلموه ومساعدة الأبرياء ولا يدركون معنى هذه التنظيمات الإرهابية المتطرفة التي نجحت في استقطابهم وإقناعهم بالتوجه إلى سوريا وهؤلاء سيتحول من يبقى على قيد الحياة منهم إلى إرهابي ومتطرف خطير نتيجة الاحتكاك لفترات زمنية طويلة بمجرمين وإرهابيين ومعايشته للعنف والتطرف وخشيته من الفرار والسجن إن عاد إلى بلده الأصلي.
القسم الثاني: مواطنون سوريون عاديون تعرضوا لأنواع شتى من الظلم والاضطهاد من النظام السوري والميليشيات التابعة له (التعذيب والإهانة والاعتقال ـ اغتصابه أو اغتصاب أمه/ ابنته/ زوجته/ أخته… الخ ـ تعرض منزله للتدمير وتحوله نحو التشرد بعد فقدان أسرته أو عدد منها… الخ). كل هذه العوامل ساهمت في الدفع نحو التشدد لانضمام السوريين إلى العمل المسلح ضد النظام في فصائل إسلامية مسلحة.
كإطار عام ما هدف هذه التنظيمات المسلحة وهل تملك حقيقة قرارها وماذا عن إمكانية تمددها؟
التنظيمات الإرهابية والإسلامية تدعي بأنها تريد إقامة دولة إسلامية وإمارات إسلامية.. ويستندون بخصوص الحرب في سورية على منطلقات وأفكار ومنطلقات عقدية وفكرية وهذه النقطة أيضا تشترك فيها ليس الفصائل من جبهة النصرة وداعش وأخواتها فحسب، بل حتى حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية وغيرها بل وحتى الميليشيات التابعة للأسد كلها تعتمد وتستند على منطلقات طائفية وفكرية وايديولوجية لتعبئة القتال وامتلاك منظومات التبرير وهذا الموضوع أسندنا له مساحة كبيرة في تقريرنا عن داعش “هل هناك دولة إسلامية في سورية”.
لا يمكن فهم وتشخيص مايحدث في الحالة السورية دون فهم ما حدث في العراق عقب الغزو الأمريكي عام 2003 ودور النظامين السوري والإيراني في الزج بالحطب في الموقدة العراقية عبر تذليل العقبات والدفع لتوافد الجهاديين السنة للعراق وتسهيل مرور المقاتلين العرب والأجانب لقتال الأمريكيين واستثمار الحالة لأهداف متعددة، منها إغراق الولايات المتحدة في المستنقع العراقي.
وجدت ايران التي ساعدت الولايات المتحدة بالإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان والإطاحة بعدوها التاريخي صدام حسين في الحرب على العراق غايتها للتخلص من أعدائها للتخلص من فكي كماشة وبيد أمريكية ودون تكاليف، واستثمرت الفرصة الذهبية للتغلغل وفرض نفوذها في آسيا الوسطى من الجهة الافغانية وفي العراق للتمدد والتمكن من الشرق الأوسط وتمكين نفوذها في المنطقة والخليج العربي بعد ان استثمرت على مدار نحو ثلاثة عقود في المنطقة في لبنان (حركة أمل ثم حزب الله) والأراضي الفلسطينية المحتلة (حماس والجهاد) ثم تمكنها مع غزو الولايات المتحدة للعراق من التحكم بالعراق عبر استثماراتها المتعددة والمختلفة في أطياف متنوعة من شيعة العراق.
تمكنت إيران بتحالفها التاريخي الاستراتيجي مع حليفها “العربي” الوحيد تمكنت من سوريا منذ بدايات فترة حكم الأسد الابن الذي تحول من التحالف معها نحو التبعية الكاملة لها اعتبارا من عام 2003 وعملت باستراتيجية ممنهجة على التغلغل وصناعة التشيع السياسي بالتزامن مع تشكيل “الإرهاب السني” وحالة التنافر بين السنة والشيعة للوصول إلى تقسيم المنطقة على أسس طائفية يكون فيها لإيران حصة الهلال الشيعي الممتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان في حين يتم تشكيل هلال سني مقابل أو مثلث سني غارق بالفوضى والاقتتال والجماعات الأصولية والتكفيرية وللوصول إلى هذا السيناريو كان لا بد من دفع وجر السنة بالعراق نحو التطرف والتشدد وتشكيل حاضنة ملائمة لتنظيمات إرهابية كالقاعدة في صفوف السنة كنتيجة طبيعية لتطرف وتشدد ممارسات فرق من شيعة العراق المدعومة إيرانياً.
خلال الحرب على العراق أسس “أبو مصعب الزرقاوي” (أحمد فاضل نزال الخلايلة / أردني) “جماعة التوحيد والجهاد في العراق” وبعد مبايعته عام 2004 أسامة بن لادن أصبح أميرا على تنظيم “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” التي اتحدت مع سبع مجموعات عشائرية مسلحة فتأسس “مجلس شورى المجاهديين في العراق” وتم اختيار الشيخ عبد الله رشيد البغدادي أميراً للمجلس الذي أنتج ماعرف بـ”حلف المطيبين” والمجلس صنف في اللائحة الامريكية للمنظمات الإرهابية في 27 أبريل 2005.
عقب مقتل “الزرقاوي” في جوان 2006 في العراق، تأسس تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” في أكتوبر 2006 التي أصبح “أبو بكر البغدادي” أميرا عليه والذي أعلن سريعا البيعة لأبي عمر البغدادى أمير “مجلس شورى المجاهدين في العراق”.
تم حل جميع الجماعات “الجهادية” بما في ذلك تنظيم “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” و”مجلس شورى المجاهدين” مع اعلان تأسيس “الدولة الإسلامية في العراق” وأعلن الجميع مبايعة تنظيم الدولة.
قتلت القوات الامريكية “أبو عمر البغدادي” في أفريل 2010 فخلفه “أبو بكر البغدادي” (أبو دعاء) في إمارة التنظيم، وخلال إمارة “أبو عمر البغدادي” كان “أبو بكر البغدادي” أميراً تنفيذيا للتنظيم القائم.
ومن تأسيس جبهة النصرة بدعم من البغدادي بدأ الدخول الفعلي للقاعدة وأخواتها إلى سوريا.
ومنذ تسلله إلى سوريا لم يدخل تنظيم الدولة (الإسلامية ) داعش إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري بل دخل فقط إلى المناطق التي تسيطر عليها قوى المعارضة السورية المسلحة المختلفة وعلى رأسها فصائل الجيش السوري الحر المنقسمة والمشتتة والضعيفة تنظيماً وعسكرياً وتشهد صراعات لأسباب تتعلق بالداعمين عسكرياً ومالياً ولوجستياً وعمليات الإفساد المتعمد والممنهج إلى جانب الوصايات الخارجية والمال السياسي، مما أدى إلى تعدد الأجندات المفروضة حسب الجهات الداعمة وتوجهاتها فظهرت طلائع داعش في هذه المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام من المقاتلين الوافدين العرب والأجانب كدعاة ومبشرين ومصلحين غير مسلحين (الاستفادة من الحالة العامة للسكان ذوي الثقافة الإسلامية عموماً والاستفادة من الطبيعة الاجتماعية لسكان المناطق التي دخولها كالرقة ودير الزُّور والتي يغلب على سكانها الطابع القبلي والعشائري والريفي، لاسيما وأن قيادة تنظيم داعش عراقية من ذات البيئة الاجتماعية ومتواصلة معها جغرافيا وفي بعض المناطق عشائريا وأسريا) للاحتكاك بأهالي وسكان تلك المناطق الذين يلجؤون إلى الله بشكل تلقائي والتحول نحو التعبد والدين بشكل أكبر أمام التخاذل العربي والدولي وما آلت إليه الأوضاع.
بعد سوريا والعراق جاء الدور على ليبيا هل بالإمكان أن تكون إمارة لهذه التنظيمات وهل تملكون معطيات واضحة عن الوضع؟
ليبيا تحولت إلى بؤرة للتطرف والإرهاب وباتت تشكل خطرا على أمن المنطقة برمتها وقاعدة انطلقت وستنطلق منها الكثير من العمليات وسيتخرج من هناك المئات من الإرهابيين الجدد بفضل معسكرات الإعداد والتدريب وتوفير أنواع الدعم والمساعدة العسكرية والمالية واللوجستية، لكن ما لا يمكن فهمه هو الدور القطري في الإشراف على عدد من المعسكرات ورعاية العديد من الجماعات الإسلامية وعلى رأسها عصابة الإخوان المتأسلمين إلى جانب رعاية ودعم فصائل من جبهة النصرة وأخواتها في سوريا.
لقد فوجئنا قبل نحو عام من توجه العشرات من المصريين من عصابة الإخوان إلى معسكر الزرقاوي وهو أحد أهم معسكرات الإعداد والتدريب لداعش في محافظة الرقة شمال سوريا وتابعنا عن كتب هذا الملف حتى ثبت لدينا تخرج 75 إرهابيا إخوانيا مصريا من المعسكر بعد تلقيهم دورات عسكرية مكثفة على مدار شهرين، ومن ثم تم تسفيرهم إلى ليبيا ومنها دخلوا الأراضي المصرية للقيام بعمليات إرهابية وقسم كبير من هؤلاء يزعزع الأمن والاستقرار في مصر وبشكل خاص في سيناء.
هل رصدتم تورطا لشخصيات معينة أو جهات او أنظمة ونقصد دولا بدعم التنظيمات المسلحة ماديا بشريا؟
داعش بالنسبة لنا ومن خلال دراستنا المعمقة ونشرنا لقسم من بعض ما نمتلك من معلومات في تقرير حمل عنوان “هل هناك دولة إسلامية في سورية؟” كانت داعش شركة إيرانية ـ سورية بتعاون أمني روسي، لكنها تحولت إلى شركة مساهمة إقليمية ودولية وهناك العديد من الأجنحة داخل داعش تابعة لمصالح بعض القوى، والنظام السوري يشتري النفط والغاز من داعش، بل وحتى هناك اتصالات مباشرة بين أمراء من داعش في بعض المناطق والأجهزة الأمنية لتسهيل مثلاً دخول موظفين لتمديد الاتصالات الهاتفية في مناطق تسيطر عليها داعش!