النقل لضمان “النقلة”
كل شيء بدأ مع اكتشاف ثم تطور وسائل النقل: بدأ العالم بالانتقال تدريجيا من مرحلة الرعي والفلاحة التقليدية ببطء شديدين، مع ذلك لم يستثن الإنسان التقليدي “النقل” التقليدي من حساباته لربح الوقت وتقليص المسافات الزمنية والمكانية.
بدأت حركة الطرقات البرية تشق رفقة حركة الملاحة البحرية التجارية بالأساس، إذ لم يكن النقل الجوي قد ظهر بعد، لكن البحار والمحيطات كانت كافية بحثا عن الإمدادات في مجالات الحرير والخزف الصيني والمواد الاستهلاكية من قمح وذرة وأرز وشعير ومن بن وشاي وسكر وعطور. كانت خطوط النقل والمواصلات البحرية اكتشافا كبيرا، لاسيما بعد اكتشاف القارات وآخرها القارة الأمريكية: خطوط بحرية تربط شرق الكرة الأرضية بغربها عبر المحيطات وعبر البحار الداخلية والمضائق المائية والممرات، التي كانت تضاف إلى شبكة النقل البرية التقليدية، التي تطورت أكثر في العهد الروماني، حتى إن روما ربطت بشبكة طرقات تغطي جنوب أوروبا وشمالها وحول البحر المتوسط، حتى قيل: “كل الطرق تؤدي إلى روما”.
كان هذا قديما، قبل ظهور عصر النهضة والرأسمالية الغربية التي انتشرت معها الاكتشافات الجديدة في مجال المواصلات والنقل البري والبحري، لكن مع أواخر القرن الـ18، كانت المحركات البخارية والقطارات قد بدأت تظهر تباعا في الغرب الأوروبي، لتنقل بعدها نحو القارة الأمريكية، ليبدأ عهد “الفتوحات” الرأسمالية في بلاد الهنود، وبدأت حركة النزوح مع أولى حركات وتحركات “البيونيرز”، أوائل الوافدين إلى أرض الذهب، قادمين من شتى أصقاع الغرب الأوروبي باتجاه الغرب الأمريكي التي عرفت في ما بعد بحركة “الفارويست”: الغرب البعيد.
الكل بات يعلم الآن أن اكتشاف القطار، سرّع من وتيرة الإعمار في القارة الأمريكية الحديثة المستعمرة من طرف المغامرين الباحثين عن الثروة السريعة: الذهب.
في أوروبا، ثم في العالم العربي المستعمر وقتها من طرف القوى الاقتصادية الكبرى في أوروبا: فرنسا، بريطانيا، إسبانيا، ألمانيا، البرتغال، كان لحركة النقل والتجارة عبر السكك الحديدية دور مسرع لحركة ربط القارات والمناطق التي سيطرت عليها هذه القوى عقب موت الرجل المريض.
في الجزائر، فعلت فرنسا نفس الشيء مع الجزائر المحتلة ودول الحماية والاستعمار في إفريقيا: شبكة وخطوط حديدية لتلبية حاجيات المتروبول من مواد خام الدول المستعمرة، وضمان نقل السلع والأشخاص. ربط خط للسكك الحديدية بين المدن الكبرى والمناطق الحدودية وبين دول الشمال الإفريقي. وهذا في البدايات الأولى للاحتلال، قبل أن تفتح خطا عموديا باتجاه الجنوب، انطلاقا من ميناء وهران، وصولا إلى سعيدة، كمرحلة أولى ثم باتجاه بشار في المرحلة الثانية: كان الهدف الأول، نقل الحلفاء نحو موانئ فرنسا من أجل تطوير صناعة الورق، قبل أن يوسع هذا الهدف بداية من العشرية الأولى للقرن الـ20، باتجاه نقل الفحم الحجري من منجم القنادسة ببشار. كما فتحت في الشرق الجزائري، خطوط استغلال الموارد المنجمية في تبسة لتصدير الفوسفات لنفسها، حيث كانت فرنسا تصدر لنفسها نحو 3 ملايين طن.
اليوم، برسم معالم تطوير شبكة النقل عبر شبكة السكك الحديدية باتجاه الجنوب الشرقي وربطها بباقي الشبكة في الوسط والغرب باتجاه كل الوجهات، تفتح الأبواب على مصراعيها في وجه حركة نقل البضائع والأشخاص، بتكلفة تجارية أقل واقتصاد في الوقت وضمان أكبر للأمن عبر الطرقات البرية السابقة. هذه الأخيرة التي ما فتئت تشق وتربط بالشبكة الوطنية للطرق السيارة والطرق الوطنية والداخلية الولائية. هذه الديناميكية الجديدة تفرضها التحديات المستقبلية المنفتحة على جنوب القارة ووسطها وتغطية البلاد بمساحتها القارية بشبكة نقل تضمن النقلة الاقتصادية المرجوة.