الرأي

النّكَدُ السياسي عند الإبراهيمي

عمار يزلي
  • 1144
  • 2

ونحن نفتقد حضور أستاذنا الفاضل الشيخ  محمد الهادي الحسني حفظه الله، وشفاه من علّته، وعلَت سطوةُ قلمه، لا كرب ولا ضرر عليه، يستحضرني اليوم ها هنا، أسلوب الأستاذ الحسني في النقد، مستلهما النقد الموضوعاتي، الذي أعادني إلى المدرسة الأصل التي يكون قد غرف منها من بحر وسخّر لها منها الصخر والحجر: مدرسة جمعية العلماء ورائدها الأدبي الشيخ البشير الإبراهيمي.

النقد الضمني المتواري ضمن النقد الموضوعاتي، الذي وضع معادلاته الأولى “غاستون باشلار”، والذي جاء ليضع حدا فاصلا مع الفرويدية التي كانت وراء أعمال “ج. بلاين” حول “بودلير” و”ستاندال”، أو أعمال “جان ستاروبنسكي” مع “روسو” و”كورناي” و”راسين”.

النص الأدبي الناقد هو وعاءٌ حامل لدلالات في غاية التعقيد الصوري. هكذا نجده عند الشيخ البشير الإبراهيمي في معظم مقالاته الأدبية والصحفية والخطابية؛ فقد كان ينزع نحو الزخم التراثي لتكثيف الصورة  النقدية، وهذا ما نجده عند الأستاذ محمد الهادي الحسني أيضا، كما نجده عند الأديب الإصلاحي “محمد صالح رمضان” أيضا. غير أن هذه النزعة لا يمكن تفسيرُها وفقط على أساس النزعة الميثولوجية الطفولية، وإن كان التأثير الثقافي والتشبُّع الأدبي التراثي عند الإبراهيمي يعود فعلا إلى سنوات الطفولة، لاسيما ما بين سن السابعة والرابعة عشر بعد تتلمذِه على يد عمِّه الذي كان له تأثيرُه الواضح على تكوينه النفسي والثقافي، ولكن يعود أيضا إلى الواقع الذي ألهمه هذه الصور، فلولا الحافز الدرامي، لما طفت تلك الصورة وتلك العبارات الصورية الشفهية التي اندسَّت في لا شعوره أحيانا وفي ذاكرته أحيانا أخرى. هكذا نجده مثلا، يتطرق إلى سياسة التربية لدى جمعية العلماء والتي يقابلها بصورة نقدية ساخرة عن طريق الإقلاب: “.. إن جمعية العلماء تعمل لسياسة التربية، لأنها الأصل، وبعض ساستنا، مع الأسف، يعملون لتربية السياسة، ولا يعلمون أنها فرعٌ لا يقوم إلا على أصله.. أيريد هؤلاء أن يبنوا الفروع على غير أصلها فيبوءوا باختلال المنطق وفساد القياس؟!”؟ (عيون البصائر ص 45).

يعتمد الإبراهيمي على ملَكة الحفظ والذاكرة الخارقة، والتي هي سجلُّ المبدع ووعاء مادته الفنية، كما يعتمد على قوَّة البلاغة اللفظية والمحسِّنات البديعية التي أعاد إليها سلطتها الفنية التي أفقدتها إياها فترة الانحطاط. غير أن هذا الاستدلال التراثي الفني، إنما تتحكم فيه الانعكاسات الواقعية لموقف فكري أو حدث مادي أو انفعال نفسي؛ فالصورة عند الإبراهيمي، هي صورة مكثفة حاملة لدلالات عدة: إيقاعا وإيحاءً وإيحالا مرجعيا، كما في هذه الصورة المشبَّعة بالصيغ الجمالية لأدعية دينية مستحضَرة ومُعَدَّة كأدعية سياسية ذات طابع ديني: “.. اللهم يا ناصر المستضعَفين أنصرنا، وخذ بنواصينا إلى الحق، واجعل لنا في كل غاشية من الفتنة ردءاً من السكينة، وفي كل داهمة من البلاد ردعا من الصبر، وفي كل داجية من الشك علما من اليقين، وفي كل نازل من الفزع واقية من الثبات، وفي كل ناجمة من الضلال نورا من الهداية، ومع كل طائفة من الهوى رادعا من الحق، وفي كل عارض من الشبهة لائحا من البرهان، وفي كل ملمَّة من العجز باعثا عن النشاط، وفي كل مجهلة من الباطل معالم من الحق واليقين، ومع كل فروع من الطغاة المستبدين موسى من الحماة المقاومين..” (مجلة الثقافة. الجزائر ص: 198).

أسلوبٌ بلاغي قلَّ نظيرُه إلا عند كبار أدباء عصر النهضة أو أدباء وعلماء عصر الأنوار الإسلامي، العصر الذهبي للإبداع الثقافي والحضاري الشامل.

مقالات ذات صلة