الهاربون من الفردوس
منذ شهر، ذرف وزيرا الفلاحة والري، دمعتي حسرة على سماء شحّت أمطارها، فبارت الأرض، وجفّت السدود، حتى كِدنا نصدّق أن الذهب الأسود الذي عشنا ومازلنا به، يمكن فعلا أن نعوّضه بالذهب الأخضر، بعد أن انهار سعره.
والآن تصلنا أخبار وصور مؤلمة، من مختلف ولايات الوطن، عن فلاحين يرمون منتجاتهم في الأودية ويحرقون حقولهم، بعد أن عجزوا عن تسويقها أو تخزينها، ولن نقول تصديرها إلى الخارج، ولو تعلّق الأمر بمنتج زراعي واحد، لاعتبرنا الأمر استثنائيا، ولكنه طال العشرات من المنتجات، بما في ذلك البيض واللحوم البيضاء، إلى درجة أن فلاحين، قرّروا عرض مزارعهم للبيع على رجال الصناعة ومستثمري المساكن، ويمكن الجزم، بأن المحصول الوفير الذي عرفته مختلف الخضراوات هذا الموسم لن يتكرر مرة أخرى، ليس بسبب الأحوال المناخية أو نقص في إرادة وكفاءة الفلاحين، وإنما لأن في عُرف المتعامل مع الأرض، أن الفلاح لا يُلدغ من نفس الجحر مرتين، وهو يرضى أن يطلّق مهنته نهائيا على أن يبيع ما جناه من خسّ وجزر، بسعر حبة حلوى “كوجاك”، أو أن يرمي عرقه في الأودية والمستنقعات الآسنة، كما حدث في جيجل وأم البواقي والمسيلة وبني صاف وغيرها من مناطق الجزائر، التي سجلت فائضا في الإنتاج، وسط فوضى التخطيط وجهل ما يحتاجه الجزائريون على موائدهم، كمّا ونوعا، فلا الفلاح ربح، كما يربح الفلاح المغربي والتونسي، أو حتى قاطفو الفرولة من “الحراقة” الجزائريين في مزارع إيطاليا وإسبانيا، ولا المواطن اشتهى هذه الخضراوات التي أحرِقت ورُميت في الأودية، ولم تصل إلى “طنجرته”، وطبعا معدته.
في صيف 1982 ألقى الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، خطابا، كان الأهم في تاريخ الرئيس الذي كتب استقالته، عندما اعتبر النفط ـ وكان سعره قد جاوز حينها الأربعين ـ أكبر نقمة هوجاء هبّت على الجزائر، والآن عندما انهار سعره، يُجمع المواطنون مع السلطة على أن هبوط سعره، هو أكبر نقمة هبّت على الجزائر، وعندما تشحّ السماء ولا تعطي الأرض، يتحدثون عن نقمة استيراد الغذاء من الخارج، وعندما تُعطي الأرض من بقلها وقثائها، يتحدثون عن نقمة الفائض، وعندما يختار سياح العالم التوجّه إلى تونس شرقا أو المغرب غربا، يتحدثون عن نقمة عدم اختيار “قارة” الجزائر كوجهة سياحية، وعندما يولّي الأجانب أقدامهم شطر الجزائر يتحدثون عن نقمة انعدام وسائل الاستقبال كما حدث ومازال، في مدينة قسنطينة التي تحتضن تظاهرة عاصمة الثقافة العربية.
لا أحد من ربان هذه السفينة التي تغرق، اقتنع أن المشكلة ليست في سرعة الرياح، ولا في هيجان البحر ولا في الحيتان المحيطة بالسفينة، فلا آبار النفط ولا الأرض الخصبة ولا الفنادق الفخمة من صنعت الدول، وإنما الربان الكفء الذي يُبحر في الزمان والمكان المناسبين، ويتعامل مع كل الظروف، أما إذا بقي الإبحار بنفس الربان، فإن الجزائري لو رست سفينته على مرفأ الفردوس، لفرّ هاربا.