الرأي

الوجهُ المخفي لـ”المنجَزات” الاستعمارية في الجزائر

قامت السردية الاستعمارية الفرنسية لفترة طويلة ولا تزال تتردد في بعض الأوساط السياسية والتاريخية اليمينية واليمينية المتطرفة في باريس، وحتى عند بعض الجزائريين الفرانكوفليين، على أطروحة “الدور الإيجابي للاستعمار”، مستشهِدة بشبكات السكك الحديدية، والموانئ، والطرق المعبَّدة، والمباني الإدارية التي أُقيمت في الجزائر بين 1830 و1962، إذ تحاول هذه السردية تصوير هذه المنشآت كـ”هِبة” أو “استثمارات ضخمة” ضخَّتها خزينة الدولة الفرنسية من أموال دافعي الضرائب في باريس لعصرنة بلد متأخر ومتخلف. ومع ذلك، فإن التفكيك العلمي والتاريخي الدقيق للميزانيات الاستعمارية والأرشيف المالي يثبت العكس تماما.
لم يكن الاستعمار الفرنسي في الجزائر مشروعا استثماريا ممولا من الميتروبول (فرنسا الأم)، بل قام على مبدأ اقتصادي صارم وهيكلي: “التمويل الذاتي للاستعمار”. إن المال الذي أُنجزت به تلك المشاريع لم يُحضر من فرنسا، بل استُخلص عسفا من ثروات الأرض وسواعد “الأهالي” الجزائريين ودمائهم وعرقهم، لخدمة الأقلية الاستيطانية والجيش الإمبراطوري.
أولا: العقيدة المالية للاستعمار (قاعدة التمويل الذاتي): منذ تنظيم الإدارة العسكرية وشبه المدنية في الجزائر، حرصت الحكومات الفرنسية المتعاقبة على ألا تشكل المستعمَرة عبئا ماليا على المواطن الفرنسي في الداخل. وتوِّج هذا التوجه قانونيا في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين عبر خطوتين هيكليتين:
• قانون 19 ديسمبر 1900 (الاستقلال المالي للجزائر): أرسى هذا القانون فصلا تاما بين ميزانية الدولة الفرنسية وميزانية المستعمَرة في الجزائر. وبموجبه، أصبحت الجزائر مجبَرة قانونا على تمويل كافة نفقاتها الإدارية، والتعليمية، والصحية، ومشاريع البنية التحتية من “مداخيلها المحلية الخاصة”.
• مجلس “الوفود المالية” (Les Délégations Financières): وهو برلماٌ مالي مصغر أنشئ عام 1898، كانت الهيمنة المطلقة فيه للمستوطنين الأوروبيين. كان هذا المجلس يوجه السياسة الضريبية والإنفاق العام بما يخدم مصالح الكولون الأوروبيين حصرا، مع تحميل الجزائريين العبء الأكبر من الجباية.
ثانيا: مصادر التمويل المحلية (تفكيك الآلية الجبائية والمصادَرة): إذا كانت الأموال لم تأتِ من باريس، فكيف تجمَّعت الأموال اللازمة لبناء تلك المشاريع؟ لقد اعتمدت الإدارة الاستعمارية على ثلاثة روافد أساسية استنزفت المكونات المحلية:
1. المنظومة الضريبية التمييزية (الضرائب العربية): إلى غاية الحرب العالمية الأولى، خضع الجزائريون لنظام ضريبي مزدوج وجائر. بالإضافة إلى الضرائب العامة، فُرضت عليهم “الضرائب العربية” (Impôts arabes) مثل: العشور (على المحاصيل)، اللزّام (على الماشية)، والخراج. المفارقة المأساوية هنا تمثلت في أن الجزائريين، الذين كانوا يمثلون الغالبية الساحقة من السكان ويعيشون في فقر مدقع، كانوا يسددون النسبة الأكبر من المداخيل الضريبية للمستعمرة، وكانت هذه الأموال تُوجَّه لشق الطرق وبناء الموانئ وسكك الحديد التي تربط المستثمرات الفلاحية للمستوطنين بالموانئ لتصدير الثروات إلى فرنسا وأوروبا، في حين بقيت المداشر والقرى الجزائريّة في عزلة تامة وبلا مدارس أو مستشفيات.
2. مصادَرة العقار وأملاك الأوقاف: شكلت الأرض رأس المال الأول الذي موّل الاستعمار نفسه به. عبر ترسانة قوانين مصادرة شهيرة (مثل قانون وارنيي 1873، وقوانين مصادرة أراضي القبائل بعد المقاومات الشعبية كمقاومة المقراني والشيخ الحداد 1871)، استولت الإدارة الاستعمارية على ملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة وأملاك الأوقاف الإسلامية. هذه الأملاك لم تُمنح مجانا للمستوطنين فحسب، بل بيعت أجزاء واسعة منها لشركات عقارية ورأسمالية كبرى (مثل شركة جنيف). واستُخدمت عائدات هذه البيوع والامتيازات لتمويل البنية التحتية وتغطية مصاريف الإدارة الفرنسية.
3. الاقتراض بضمان المداخيل الجزائرية: عندما كانت الحاجة تدعو لإقامة مشاريع كبرى تفوق القدرة المالية الفورية للمستعمَرة كخطوط السكك الحديدية الطويلة لمؤسسة PLM، كانت إدارة المستعمرة تطرح قروضا وسندات في سوق المال بباريس. لكن هذه القروض لم تكن هِبة من فرنسا؛ بل كانت ديونا تجارية تلتزم ميزانية الجزائر (أي ضرائب وثروات الشعب الجزائري) بتسديدها مع فوائدها على مدار عقود.

 القول إن فرنسا موّلت مشاريع الجزائر من أموالها هو قلبٌ سافر للحقائق التاريخية والاقتصادية؛ فالجزائر الاستعمارية كانت نموذجا كلاسيكيا للاستعمار الاستيطاني القائم على الاستغلال والنهب والتغذية الذاتية. وتلك الطرق والسكك الحديدية والموانئ لم تُبْنَ بأموال دافعي الضرائب في باريس، بل كانت “آلات استخراجية” صُمِّمت ووُجِّهت بأموال الموارد والضرائب والجهود الجزائرية، لغرض أساسي وهو تسهيل تدفق خيرات الجزائر من حبوب، وتمور، ومعادن، ولاحقا النفط والغاز، نحو الميتروبول الفرنسي. لقد موّلت الجزائر استعمارَها مجبرةً.

ثالثا: الاستثناء العسكري (الإنفاق الاستراتيجي لباريس): لم تتدخل الخزينة الفرنسية المركزية بضخِّ أموال مباشرة من باريس إلا في قطاع واحد لا علاقة له بالتنمية التطورية للبلد، وهو الإنفاق العسكري والأمني. كانت باريس تتكفل برواتب جيش الاحتلال، وتجهيزه بالعتاد، وتغطية نفقات الحملات العسكرية وقمع الثورات الشعبية. هذا الإنفاق لم يكن استثمارا في الجزائر، بل كان استثمارا لفرنسا في “أمنها الإمبراطوري” وحمايةً لمصالح مصانعها ومستوطنيها. وحتى في هذا الجانب المظلم، أُجبِرت الجزائر في فترات كثيرة على المساهمة في تمويل “قوات التهدئة” المحلية.
رابعا: البعد الإنساني المخفي (رأس المال البشري والسُّخرة): لا يمكن الحديث عن تمويل المشاريع دون إغفال التكلفة البشرية التي عوّضت رأس المال النقدي. في كثير من الأحيان، كانت البنية التحتية تُنجز عبر آليات قهرية:
• قانون الانديجان (الأهالي): الذي أتاح للإدارة الاستعمارية فرض عقوبات العمل القسري (السُّخرة) على الجزائريين لشق الطرق، وتنظيف المستنقعات، ومكافحة الجراد، وبناء الخطوط الحيوية من دون أجر أو بأجور رمزية لا تقارَن بأجور العمال الأوروبيين.
• العمالة الرخيصة: شكل الجزائريون قوة عمل مستضعَفة ومحرومة من الحقوق النقابية، مما خفّض تكلفة إنتاج هذه المشاريع إلى حدودها الدنيا، مستفيدين من الفقر الذي فرضه الاستعمار نفسه.
خامسا: “خطة قسنطينة” 1958 (الاعتراف المتأخر بالفشل): الاستثناء التاريخي الوحيد والأخير الذي تدفقت فيه أموالٌ حقيقية ومباشرة من فرنسا إلى الجزائر كان “برنامج قسنطينة” (Plan de Constantine) الذي أعلنه الجنرال شارل ديغول في أكتوبر 1958. جاءت هذه الخطة في خضم حرب التحرير الوطنية (1954-1962)، إذ رصدت باريس ميزانية ضخمة ممولة جزئيا من فرنسا لبناء مساكن، ومدارس، ومصانع، وتوفير مناصب شغل للجزائريين. إلا أن هذا التحول المالي المفاجئ لم يكن نابعا من صحوة ضمير تنموية، بل كان سلاحا سياسيا ونفسيا متأخرا ويائسا؛ هدفت فرنسا من خلاله إلى فصل الشعب الجزائري عن جيش التحرير الوطني، وإقناعه بأن “المستقبل الاقتصادي” يكمن في البقاء تحت السيادة الفرنسية، وهي المحاولة التي فشلت تماما أمام إصرار الشعب على الاستقلال التام. ومن ثمّ، فالأموال التي كانت مرصَدة لمشروع قسنطينة لم تُصرف بعد.
إن القول إن فرنسا موّلت مشاريع الجزائر من أموالها هو قلبٌ سافر للحقائق التاريخية والاقتصادية؛ فالجزائر الاستعمارية كانت نموذجا كلاسيكيا للاستعمار الاستيطاني القائم على الاستغلال والنهب والتغذية الذاتية. وتلك الطرق والسكك الحديدية والموانئ لم تُبْنَ بأموال دافعي الضرائب في باريس، بل كانت “آلات استخراجية” صُمِّمت ووُجِّهت بأموال الموارد والضرائب والجهود الجزائرية، لغرض أساسي وهو تسهيل تدفق خيرات الجزائر من حبوب، وتمور، ومعادن، ولاحقا النفط والغاز، نحو الميتروبول الفرنسي. لقد موّلت الجزائر استعمارَها مجبرةً، وعندما رحل الاستعمار، ترك وراءه بنية تحتية مشوَّهة وهيكلية تخدم مصالح التصدير لفرنسا، لا التنمية الوطنية المتكاملة للبلد.
ولم تكن معركة الجزائر بعد جويلية 1962 تقتصر على لملمة جراح بلدٍ خرج من محرقة استعمار استيطاني دامت قرابة قرن وثلث قرن، بل كانت تحديا وجوديا لبناء الإنسان الذي أراد المحتل إفناءه بيولوجيا وتجهيله معرفيا، فعبر قوانين استعمارية إقصائية –وعلى رأسها قانون الاستقلال المالي لعام 1900– حُرم الجزائريون من الميزانيات الأساسية للطبابة والتعليم، لتترك فرنسا وراءها بلدا بلغت فيه نسبة الأمية ما يقارب التسعين بالمئة، وخريطة صحية موبوءة يفتك بها السل والتيفوئيد، وأمراض فتاك أخرى لم يعرفها الشعب الجزائري من قبل.
لكن الدولة الفتية، وبسواعد نسائها ورجالها، آمنت بأن السيادة الحقيقية لا تكتمل إلا بـ”أنسنة المجتمع” وعصرنته، فجعلت من مجانية التعليم والصحة العقيدة الأولى لبناء جزائر الاستقلال. واليوم، يتجلى الرد التاريخي الأفحم والأكثر سريالية على أطروحات “الاستعمار الفرنسي” في المشهد الطبي والأكاديمي في فرنسا نفسها؛ إذ تحولت المدرسة والجامعة الجزائرية المستقلة إلى خزانٍ يمدّ المنظومة الصحية والتقنية الفرنسية ذاتها بآلاف الأطباء، والمهندسين، والأساتذة، والخبراء في شتى المجالات…
إن هؤلاء العلماء، الذين تشهد المستشفيات والمراكز العلمية الفرنسية أنهم عَصب حياتها اليومي، هم أبناء الشهداء والمجاهدين وبناتهم وأحفادهم؛ أولئك الذين أراد المستعمِر إبقاء أجدادهم في رتبة “الأهالي” المسخَّرين للخدمة، فإذا بأبنائهم يقودون اليوم التخصُّصات الدقيقة في قلب باريس، معلنين بامتيازهم الأكاديمي أن العبقرية الجزائرية قد انتصرت تماما على إرث التجهيل والاستعمار.

مقالات ذات صلة