الوحدة.. بعد التشرذم
التصدُّع الذي مس العلاقات بين الدول العربية والإسلامية، الذي كان نتاجا للضعف منذ بداية الحرب العالمية الأولى، وانتهاء بسقوط الإمبراطورية العثمانية التي كانت توحِّد المجتمعات على علاتها تحت راية الإسلام، يبدو أنه سيعود من جديد بشكل آخر، بعد نحو 100 عام من الخنوع للقوى الغربية. هذه الدورات الاجتماعية (1000، 100 عام، 70، 40 سنة..)، هي دورات اجتماعية حضارية طبيعية، كثيرا ما تحدَّث عنها فلاسفة التغير الاجتماعي ضمن نظريات التغير والتحول.
العالم العربي والإسلامي في حاجة اليوم إلى من يقوده إلى وحدة عضوية تُبنى على أساس الانتماء الإسلامي. سيحدث هذا حتما، رغم الإخفاقات الكثيرة، تماما كما حدث مع تجربة الأمير عبد القادر.
بالعودة إلى هذه التجربة الفريدة لدى الأمير عبد القادر، نرى كيف أن الأمير حاول جمع شتات القوى الرافضة والمقاوِمة تحت لواء وشعار واحد: الجهاد ضد الكفار المحتلين. هذه اللازمة الفلسفية والروحية هي التي سيبني عليها الأمير عبد القادر بيانه إلى القبائل في 22 نوفمبر 1832.
كان على الأمير عبد القادر أن يجمع شتات القوى الإسلامية، المتولد على “نهاية الرجل المريض”، ويحاول توحيد البلاد ضمن دولة وطنية في علاقة وطيدة مع الجيران ومع العالم العربي ولإسلامي من طنجة إلى الشيشان. لم يكن الأمر هيّـنا بالنظر إلى الضعف والتفتت الذي دمر الروابط وأسباب القوى لدى شتات الدول الإسلامية، لكن الحذر الذي وضعه لن يذهب هباء، حتى إننا نجد الحركة الوطنية في ما بعد، بدءًا مع الأمير خالد، تطرح فكرة عودة الخلافة والتحضير للوحدة من جديد.. وهذا بعد الحرب العالمية الأولى.
مسألة “الشرف”، التي بنى عليها الأمير عبد القادر فلسفته السياسية، كانت الإيديولوجية المحركة لعمله السياسي والثقافي؛ فالنسب الشريف الذي ينتمي إليه الأمير، كان في العادة الإسمنت المسلح الذي كثيرا ما اعتمد عليه في كثير من الحركات الجهادية ضد الاستعمار. النَّـسب إلى آل البيت، شكَّل لديه مشروعية الجهاد ضد الفرنسيين، ومشروعية سلطته على القبائل، باعتبار سلطة الشرف “سلطة روحية”. فالجهاد، وإن اكتسى طابعا دينيا، لنصرة الدين الإسلامي، فإنه اكتسى أيضا طابعا نضاليا تحرريا، باعتبار أن البلد قد أصبح بدخول “الكفار” إليها “دار حرب” (فقد شاع استعمال الكلمة التركية “قاوري” على الفرنسيين التي تعني “الكافر”)، في حين إنه لم تتوفر الشروط الثلاثة لإعلان حالة “دار حرب” قبل الدخول الفرنسي. حالة “دار سلم” التي كانت عليها الجزائر تحت نظام السلطة التركية الإسلامية، التي كانت تفرض شكلا آخر من الصراع الداخلي الشبيه بالمعارضة السلمية الداخلية، لا تصل إلى حدِّ خرق حدود الشَّـرع وإعلان حالة “دار حرب” في البلاد ضد السلطة التركية. هذا جوهر فلسفة “المقاومة- الجهاد” التي تبنَّاها الأمير عبد القادر: جهاد ديني وجهاد نضالي تحرري، أي “جهاد وطني”، وهو ما أوصله، رغم الخيانة من طرف سلطان المغرب، إلى إنهاء مرحلة الجهاد الأصغر، لبدءِ جهاد أكبر، تمثل في العمل الناعم، العلمي والثقافي والدبلوماسي من أجل إبقاء وهج النضال ضد الاحتلال قائما. وما رفضُه مشروعَ نابليون الثالث المتمثل في “المملكة العربية في الجزائر”، إلا عنوانٌ لرفض دُويلة بلا سيادة، تماما كما هو شأن “دولة فلسطين” التي رسمتها “أوسلو”، التي يراد لها من طرف الاحتلال اليوم أن تقوم على قاعدة.. “ألا تقوم لها قائمة”.
وعليه، فقط الوحدة العربية والإسلامية اليوم، هي التي تضمن تحرير فلسطين.. غدا.