منوعات
"الشروق" تقف على إهانات وطوابير ومواعيد مؤجلة للمرضى

الوساطة والمحسوبية تمشيان على رجليهما في المستشفيات

الشروق أونلاين
  • 9775
  • 67
ح.م

من يريد أن يتفرج على “دراما اجتماعية” ويعايش مآسي العائلات البسيطة التي لا تملك الإمكانات للعلاج في الخارج أو في العيادات الخاصة فليذهب الى أي مستشفى من مستشفيات الجزائر، وليكن مستشفى مايو “لمين دباغين” أو بني مسوس بالعاصمة، أو مستشفى بن عكنون أو مصطفى باشا أو بلفور، ويجلس في زاوية ما في أي مصلحة من مصالح المستشفى ويلاحظ … ستلاحظ الممرضين وهم ينهرون المرضى، وستلاحظ مرضى على وشك أن يقبّلوا أقدام الممرضين والأطباء، يشعرون المرضى بالذل والمهانة، وكأنهم يتسوّلون عندهم، وبينما هم يتقاضون أجرا على ذلك .

رجال ونساء وأطفال وكهول وشيوخ بسطاء، قدموا من مختلف الولايات، يتوسّلون للممرضين من أجل منحهم مواعيد لإجراء صور الأشعة أو إرشادهم إلى الطبيب أو المصلحة التي يبحثون عنها، بعضهم تائهون بين المصالح والأجنحة والأروقة، وكأنهم لا يعرفون رؤوسهم من أرجلهم، ولا يجدون من يرشدهم، عجائز لا يقرؤون ولا يكتبون، يحملون معهم رزمة من التقارير الطبية والتحاليل، والأشعة، ويبحثون عن من يقرأ لهم تلك التحاليل ويشرح لهم ماذا يوجد فيها، وماذا عليهم أن يفعلوا، ويرشدهم إلى وأين يجب أن يأخذوا هذه التحاليل، وتراهم يهرولون مسرعين إلى أي شخص يرونه يرتدي البذلة البيضاء ليساعدهم، وهنا ترى الوساطة والمحسوبية تمشي على رجليها، ففي كل زاوية ترى مريضا يخرج ورقة من جيبه ويخبر الممرض أن فلانا أرسله إليه، ويتكرر هذا المشهد أمامك عشرات المرات، فإذا كان هذا الفلان مقربا من الطبيب أو من الممرض أو له عنده مصلحة أو كان مسؤولا كبيرا أو ذا نفوذ وسلطة يقوم الممرض فورا بإدخال الورقة للطبيب ويعود لمناداة المريض حيث يتم إدخاله قبل الجميع على أنه حالة مستعجلة، بينما يبقى الآخرون ينتظرون دورهم، ولا يوجد منا من لم يسبق له أن تعرض لهذه المواقف في المستشفيات، فالمريض الذي يعرف عاملا في المستشفى يكون محظوظا لأنها ستتوسط له لإجراء كل التحاليل والأشعة في ظرف قياسي.

ساعات في انتظار رؤية الطبيب

الشروق اليومي” قضت ساعات مع المرضى الذي ينتظرون دورهم في مصلحة الطب النووي بمستشفى لمين دباغين بباب الوادي، وكذا مع مرضى الأورام في مصلحة بيار وماري كاري بمستشفى مصطفى باشا، لتنقل لكم الواقع المر والذل الذي يتعرض له المرضى الجزائريون مقابل العلاج المجاني في مستشفيات الدولة.

في حدود الثامنة، فتح مستشفى لمين دباغين أبوابه، فإذا بعدد هائل من المرضى مرفوقين بأوليائهم ينزلون فجأة من سيارات الأجرة مرقمة بترقيم مختلف الولايات: المسيلة، برج بوعريريج، البويرة، البيض، سعيدة، بسكرة… ودخلوا متدافعين عند البوابة الرئيسية لعلهم يكونوا الأوائل في الطابور، وتفرقوا على مختلف المصالح، بينما توجه عدد كبير منهم إلى مصلحة الطب النووي، حيث تقوم الممرضة بتوزيع التذاكر على المرضى، لينتظر كل واحد دوره حسب رقم التذكرة، وعندما يصل دور كل مريض يتم إعطاؤه موعدا بعد شهر لإجراء التصوير بالطب النووي.

ودون أن نكشف عن هويتنا كصحفيين، حاولنا الاستفسار لماذا تمنح المواعيد طويلة الأجل للمرضى، في حين أن حالة بعضهم لا تحتمل الانتظار، بصعوبة كبيرة وسط المتدافعين تمكنا من الوصول إلى الممرضة وسألناها، فنهرتنا بشدة أختي أعطني ورقة الطبيب لكي أعطيك جوتو، وما تحوسيش تفهمي بزاف“… هكذا نهرتنا الممرضة، التي كانت تجهل أننا صحفيون، و”من ليس له شاهد فهو كذاب”، انسحبنا بشرف وتركناها تواصل توزيع التذاكر على المرضى الواقفين في الطابور، بينما كان المرضى الذين حصلوا على التذاكر فيما سبق ينتظرون دورهم للحصول على موعد، والمرضى الذين حصلوا على موعد ينتظرون دورهم لإجراء التصوير بالطب النووي.

ممرضة تواجه ولي مريضة: إذا ماتت ربي يرحمها

وعلى مسمع ومرأى من جميع المرضى في مصلحة الطب النووي بمستشفى مايو، نهرت الممرضة عجوزا جاء يتوسل إليها من أجل تقريب موعد الأشعة لابنته المريضة لأن حالتها خطيرة وقد تموت قبل أن يصل موعد الأشعة، فقالت له “إذا ماتت الله يرحمها، كلنا سنموت في نهاية الأمر وليس ابنتك فقط”، هكذا ردت عليه الممرضة بالحرف الواحد، وسمعها كل المرضى الذين كانوا ينتظرون دورهم في الرواق بمصلحة الطب النووي، بعضهم كانوا يجلسون على الكراسي وبعضهم كانوا ممددين في القاعة يتأوهون من الألم، ومعظمهم جاؤوا من الولايات الداخلية، وقضوا الليلة داخل سيارات الطاكسي أو في الشارع أو قرب المستشفى منتظرين افتتاح المستشفى على الساعة الثامنة ليتوجهوا إلى هذه المصلحة من أجل إجراء الأشعة.

وأكثر ضحايا هذه السلوكات هم المرضى البسطاء القادمون من الأرياف الذين اشتد بهم المرض إلى درجة أنهم أصبحوا يتعلقون بأي ممرض أو طبيب يصادفونه في طريقه لعله يسهل لهم الطريق من أجل إجراء التحاليل والأشعة.

مواعيد بالأشهر والمرضى ينامون في الشارع

بعد ساعات قضيناها إلى جانب المرضى دون أن يعلم أحد أننا صحفيون، تحدثنا إلى عد من المرضى المتذمرين فتبين أن معظمهم استأجروا سيارات أجرة للمجيء من ولايات بعيدة إلى العاصمة من أجل إجراء الفحوص والتحاليل، وتصل فاتورة استئجار الطاكسي وحدها إلى 6000 دينار لأن صاحب السيارة ينتظرهم طوال النهار ليرجعهم إلى ولاياتهم، والمشكلة أنهم يقطعون كل هذه المسافة وفي نهاية المطاف لا يجرون التحاليل بل يعطونهم موعدا أو تذكرة ليعودوا في اليوم الموالي أو في اليوم الذي يليه، وحتى لا يعودوا خائبين، يفضلون المبيت في الشارع يوما أو يومين منتظرين الموعد حتى لا يعودوا خائبين، وهي ممارسات تزيد من مضاعفة معاناة المريض، الذي يدخل المستشفى للعلاج من مرض معين، فيجد نفسه في رحلة لا تنتهي من المواعيد الطبية، في مختلف المصالح، كل مصلحة يتعرض فيها لشتى أنواع الإهانات، فغالبا ما يمنح الطبيب للمريض قائمة طويلة من التحاليل الطبية والأشعة والفحوص لإجرائها، كي يتمكن من تحديد مرضه، وعلى المريض إجراؤها في عدة مستشفيات، فأشعة الطب النووي في مستشفى لمين دباغين، وتحاليل الميكروبات في باستور، وتحاليل الهرمونات في مستشفى مصطفى باشا، أو بارني أو لمين دباغين، وكل مصلحة من هذه المصالح تمنح للمريض موعدا من أجل أخذ عينة الدم وإجراء التحاليل، وموعدا آخر من أجل ظهور النتائج، أما مواعيد الأشعة فتستغرق عدة أشهر، وعندما يصل موعد الفحص عند الطبيب، يكون المرض انتشر في جسمه.

مرضى يقطعون مئات الكيلومترات إلى المستشفى ليجدوا الطبيب غائبا

ونحن نتجول وسط أجنحة مايو، التقينا يوسف، وجدناه غاضبا وهو يتمتم بين شفتيه سألناه، فقال “أنا أسكن ببرج بوعريريج ولدي موعد مع طبيب الكلى هنا في مستشفى مايو، لكني لم أجد الطبيب، قالوا لي إنه مسافر في مهمة إلى الخارج، وأن لديه مؤتمرا طبيا، لماذا لم يتصلوا بي، لماذا لم يخبروني، لقد استأجرت سيارة بـ 3000 دينار وقطعت مسافة طويلة من ولاية برج بوعريريج إلى هنا ووصلت عن الخامسة فجرا، وفي الأخير يخبرونني أن الطبيب لن يأتي اليوم لأنه مسافر في مهمة أو لديه مؤتمر، مريض وأسكن بولاية بعيدة، كما أنني موظف بسيط ولا املك سيارة، ليس في قلوبهم رحمة ولا رأفة، مكانهم ليس هنا، لأن الطب يتطلب الرأفة والرحمة بالمرضى، ولهذا يقال عنه مهنة نبيلة، بينما الأطباء والممرضون في المستشفيات الجزائرية هدفهم الكسب فقط، ولا تنطبق عليهم نهائيا صفة النبل“.

مليكة.. توقفت كليتها بسبب المواعيد طويلة الأجل في المستشفيات

المريضة “مليكة. ب” تحكي لنا مأساتها مع مختلف المستشفيات الجزائرية، قائلة “اضطر الأطباء لاستئصال كليتي بمصلحة طب الكلى بمستشفى لمين دباغين، بعد أن كان من المقرر أن يجروا لي عملية تفتيت للحصى في الكلية، السبب هو أن إجراء كل الأشعة والصور الطبية والتحاليل اللازمة للعملية في المستشفيات الجزائرية استغرق أربعة أشهر، بسبب المواعيد الطويلة، التي تمتد إلى أشهر خاصة في مصلحة السكانير، ومصلحة الطب النووي، وعندما أحضرت نتائج التحاليل وصور الأشعة للطبيب، لم أجده، وقالوا لي بأنه سافر إلى الخارج، لحضور ملتقى طبيا، وأنه سوف يغيب لمدة أسبوع كامل، بعد مرور أسبوع عدت وأعطيته التحاليل، لكن نظرا للوقت الطويل الذي مر، طلب مني الطبيب إعداد إجراء أشعة بالطب النووي للتأكد ما إذا كانت كليتي ما زالت تعمل أم أنها توقفت، توجهت مباشرة لمصلحة الطب النووي، وهناك أعطتني الممرضة تذكرة، فعدت في اليوم الموالي وبناء على التذكرة تمت مناداتي فأعطوني موعدا بعد شهرين، وبعد شهرين عدت لإجراء الأشعة، ثم أخذتها للطبيب، فتبين أن كليتي لم تعد تعمل، وأنه لا جدوى من إجراء عملية تفتيت الحصى في الكلية، لأن الكلية توقفت كليا، ولم تعد تعمل بل ولا بد من استئصالها كاملة بدلا من استئصال الحصى، وطبعا لا مفر من ذلك” وتعيش مليكة اليوم بكلية واحدة.

حكايات لا تصدق

سرد لنا ابراهيمي حسن كيف تعرضت زوجته للإهانة بمصلحة طب الأطفال بمستشفى بلفور قائلا “أصيب ابني ابراهيمي علي مروان وعمره ثلاث سنوات بحمى شديدة، ومتكررة، فاعتقدنا أنه مصاب بـ “القولون” ولكن عندما أخذناه إلى طبيب أطفال خاص ببلكور، ساوره الشك، فإن الطفل مصاب بالميناجيت، وأعطانا على إثر ذلك رسالة لإجراء تحاليل مستعجلة للطفل في المستشفى وحذرنا من تضييع الوقت مخافة أن يكون الطفل مصابا بالميناجيت لأنها مرض خطير، بصفة عاجلة، فأخذته أمه على جناح السرعة إلى مصلحة طب الأطفال بمستشفى بلفور، وأعطت الرسالة لطبيب الأطفال، فقال لها “ابنكي غير مريض”، لكن الأم أكدت له بأن الطبيب الخاص الذي أعطاها الرسالة قال لها بأن حالة الطفل مستعجلة وتقتضي تحاليل ضرورية وعلى جناح السرعة، للتأكد من مرضه، وطلبت الأم من الطبيب أن يتأكد من ذلك من خلال الرسالة، لكن الطبيب نهرها بشدة قائلا: أنتم لستم جنسا أتحدث معه، هل تظنين انك تعرفين أحسن مني” وأخذ منها الرسالة ولم يرجعها لها، فعادت الأم للطبيب الأول وأحضرت رسالة أخرى وأخذناها لمستشفى الثنية، حيث أخذوها مني وأجروا التحاليل للطفل على جناح السرعة، وحولونا في اليوم الموالي مباشرة إلى مستشفى بئر طرارية حيث أجرو له تحاليل أخرى من خلال أخذ عينة من سائل داخل العمود الفقري، وقالوا لها إن الطفل مصاب بالميناجيت، وتم تحويله مباشرة وعلى جناح السرعة إلى مستشفى القطار الذي توجد به مصلحة متخصصة لعلاج الميناجيت.

طوابير على السكانير في المستشفيات

وقال عضو جمعية الأمراض المزمنة عصمان رابحي في اتصال مع الشروق اليومي” إن “الأمراض المزمنة ما تزال تشكل واحدا من أكبر المشاكل التي تعيق المرضى عن مواصلة العلاج، فكثير من الحالات تستدعي تصويرا بالسكانير، ولا يستطيع المرضى إجراءه في المستشفيات بسبب الطوابير الطويلة، كما يعجزون عن إجرائها في العيادات الخاصة، لأن سعره يتراوح بين 4000 إلى 9000 دينار، مما يزيد من الضغط على مصالح الأشعة، بسبب كثرة المرضى الذين ينتظرون دورهم، والمحظوظ فيهم هو الذي يعرف عاملا داخل المستشفى يمكنه تقريب الموعد“.

تحدثنا مع مرضى بمستشفى مصطفى باشا جاؤوا من ولاية البويرة، فطيمة. ن” تقول “استأجرنا سيارة أجرة بـ 2000 دينار، لأن معنا مريضة لا يمكنها أن تمشي ولا تستطيع أن تنتقل إلى محطة الحافلات، لا بد من طاكسي يحضرنا إلى العاصمة وينتظرنا ليرجعنا، أما الذين يأتون من الولايات البعيدة يدفعون أكثر، خصوصا إذا طلبوا من صاحب سيارة الأجرة أن ينتظرهم”.

مقالات ذات صلة