الجزائر
العلاقات بين الجزائر ومالي تستعيد عافيتها بعد 15 شهرا من التوتر

الوضع الداخلي حتم على باماكو الجنوح إلى التهدئة

محمد مسلم
  • 973
  • 0

في تطور كان متوقعا، استعادت الجزائر وجارتها الجنوبية، مالي، علاقاتهما الدبلوماسية بعد أكثر من سنة من القطيعة، تخللتها أحداث متسارعة عجلت بعودة المياه إلى مجاريها، رغم محاولات بعض الأطراف المغرضة، صب الزيت على النار وتعميق الخلافات.

وكان قرار السلطات الجزائرية بإعادة فتح مجالها الجوي أمام حركة الطيران المالية، وفق ما أفاد به بيان لوزارة الدفاع الوطني، إيذانا ببداية فتح صفحة جديدة بين الجزائر وباماكو. وجاء في البيان: “قررت الجزائر ابتداء من اليوم الجمعة 10 جويلية 2026 إعادة فتح مجالها الجوي الوطني بالكامل أمام حركة الطيران المالية، ويشمل هذا القرار كل الرحلات الجوية المتوجهة والقادمة من دولة مالي عبر مختلف الوجهات الدولية”.

الحوار المستقبلي سيرتب لمرحلة جديدة تضمن مصالح الطرفين

وعقب هذه الخطوة، قررت السلطات المالية “عودة السفير فوق العادة والمفوض لجمهورية مالي لدى الجزائر، إلى الجزائر وإعادة فتح المجال الجوي لدولة مالي أمام كافة الطائرات المدنية والعسكرية التي تؤمن الرحلات القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها”، وفق ما جاء في بيان للحكومة الانتقالية المالية، التي اعتبرت الخطوة تندرج: “في إطار إعادة الدينامكية لعلاقات التعاون والصداقة بين جمهورية مالي والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية”.

وفي السياق ذاته، أمر الرئيس عبد المجيد تبون بعودة كمال رطيب إلى باماكو، سفيرا مفوضا فوق العادة لدى جمهورية مالي، اعتبارا من الجمعة (10 جويلية 2026)، حسب ما أورده بيان لوزارة الشؤون الخارجية، علما أن السفير رطيب كان قد تم استدعاءه للتشاور يوم 07 أفريل من السنة المنصرمة.

وأوضح بيان الخارجية، أن قرار رئيس الجمهورية ينبع من “حرصه الدائم والثابت على إعادة العلاقات الجزائرية المالية إلى منحاها التاريخي والطبيعي المبني على أساس الاحترام المتبادل والتمسك بإقامة علاقات أخوة وتعاون تخدم مصلحة البلدين والشعبين الشقيقين وكافة دول منطقة الساحل الصحراوي وكذا القارة الإفريقية برمتها”.

وكانت هذه اللحظة متوقعة منذ أسابيع، منذ أن تفكك التحالف الثلاثي (بوركينا فاسو، مالي، النيجر)، بعد ما قررت كل من واغادوغو ونيامي، إعادة سفيريهما إلى الجزائر ومباشرة الزيارات المتبادلة بين الجزائر من جهة وواغادوغو ونيامي من جهة أخرى، وكذا تعزيز الجزائر علاقاتها مع الدولة الأخرى في منطقة الساحل، تشاد.

وتبع هذه الزيارات شروع الجزائر في تقديم مساعدات سخية للدول الثلاث، في شكل هبات تكفلت بها شركة سونلغاز، التي أنجزت محطات لتوليد الطاقة في الدول الثلاث، فضلا عن إبرام اتفاقيات في مختلف النشاطات الاقتصادية والتجارية والنقل والبنى التحتية والطاقة، وهو ما خلق جوا من الثقة بين الجزائر وجاراتها الجنوبية في منطقة الساحل.

وفي مقابل ذلك، ظلت مالي تترقب الوضع وحيدة بعد ما انفض عنها من كانوا حلفاءها ضد الجزائر في مرحلة ما، كما عزز تدهور الوضع الأمني في مالي القناعة لدى السلطات الانتقالية في هذا البلد، بأنها مهما استعانت بقوى خارجية، فإن البعد العسكري غير قادر وحده على حل المشاكل الأمنية، وهو ما كان قد أكد عليه الرئيس عبد المجيد تبون، في آخر خرجته الإعلامية لوسائل الإعلام الوطنية، حيث أكد استعداد الجزائر لمساعدة الشعب المالي على تجاوز مشاكله.

ومنذ أزيد من سنتين من قرار السلطات الانتقالية في مالي التخلي عن اتفاق السلم والمصالحة الموقع في الجزائر في سنة 2015، والتوجه إلى الحل العسكري، لم تتمكن من تحقيق أي انجاز على الأرض، بل تفاقم الوضع أكثر بتعاظم القوة العسكرية لحركات المعارضة المسلحة، التي حاصرت العاصمة باماكو في أكثر من مرة، كما حققت انتصارات عسكرية كبيرة في المقاطعات الشمالية والشمالية الشرقية على الجيش النظامي، فيما لا تزال مدن مالية تحت حصار المعارضة المسلحة.

وبرأي أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بـ”جامعة الجزائر 3″، توفيق بوقاعدة، فإن “عودة العلاقات الثنائية بين الجزائر وباماكو، ساهمت فيه بعض المعطيات، أهمها تأزم الوضع الأمني في مالي في الأشهر الأخيرة وتعاظم مخاطر جماعات المعارضة المسلحة، ما جعلها تتراجع وتطلب الوساطة، التي يرجح أن تكون كل من موريتانيا والنيجر قد لعبتا دورا فيها”.

غير أن ما حصل لا يمكن اعتباره نهاية الخلافات، يقول أستاذ العلوم السياسية في تواصل مع “الشروق”، لأن “ما يؤسس للمرحلة المقبلة، هو جلوس الطرفين إلى طاولة المفاوضات لحسم الملفات العالقة، وذلك مرتبط بعروض كل طرف وإدراكه لأهدافه ومصالحه”.

وبغض النظر عن هوية الخاسر والرابح في هذا التطور، فإن الجزائر، يقول توفيق بوقاعدة، “راهنت على جسر خلافاتها مع دولة مالي التي تربطها بها حدود تمتد لما يقارب الألف و500 كلم، وهي ثغرة أمنية يمكنها أن تتسبب في متاعب للجزائر، فضلا عن أن طي هذا الخلاف ينهي أو يحد على الأقل من تدخل أطراف غريبة عن المنطقة، تسعى إلى إشعال نار الفتنة بين البلدين الجارين”.

وإذ نجحت الجزائر في تصفير المشاكل مع دول منطقة الساحل بتجاوز الأزمة مع آخر دول المنطقة، فإن ذلك حسب المحلل “يساهم في جلب الأمن والاستقرار إلى المنطقة، بعد تأكد فشل الخيار الأمني المدعوم من قبل دول مغرضة ودخيلة على المنطقة، كان هدفها منذ البداية يتمثل في ضرب الاستقرار حتى يسهل عليها التغلغل لأجل تحقيق مكاسب ضيقة ولو على حساب مصالح شعوب المنطقة التي أرهقها غياب الأمن، والفقر والبطالة وتعطل التنمية”.

مقالات ذات صلة