اليُتم والنار
نؤمن بأن الموت قدرٌ، لا تدري فيه النفوس بأي أرض تموت، وقدرٌ يطال حتى من كانوا في بروج مشيّدة، وأن كل من عليها فان، ولا يبقى سوى وجه صاحب الجلال والإكرام، ولكننا نؤمن أيضا بأن من قتل نفسا أو تسبّب في قتلها، فكأنما تسبّب في قتل الناس جميعا، خاصة إذا كانت هذه النفس، لطفل يتيم ما كاد يرضع من الدنيا، سوى براءتها.
هم أطفال جاؤوا إلى الدنيا، وهم لا يدرون لهم أمّا ولا أبا، فارتضوا اليُتم لقبا يرافقهم من المهد إلى اللحد، فتكفلت بهم الدولة حضنا دافئا، حتى يستوي عودهم كما كانت حال الكثير من الأطفال المسعفين، ممن يُتّموا وآباؤهم وأمهاتهم على قيد الحياة.
كانوا يوزعون الابتسامة ويبتلعون الأسى الذي وجدوا أنفسهم، فيه، ما بين نار الواقع ونار المجتمع، إلى أن فاجأتهم النار، فقتلت وجرحت ورسمت في قلوب من نجوا من “المحرقة” صدمة نفسية هي إضافة لصدمة اليُتم.
ما حدث في المحمدية، غير بعيد عن مكان سقوط الحافلة في وادي الحراش الذي أودى بحياة 18 مسافرا و24 جريحا مازال بعضهم يعاني الإعاقة والشلل، منذ سنة بالتمام والكمال، هو مسلسل لبعض التسيّب والإهمال، في الوقاية من المخاطر، ومنح المقود لمن هو غير مؤهل لقيادة نفسه، فما بالك قيادة حافلة أو مركز اجتماعي، يؤوي أطفالا لا مأوى لهم.
دفع الجزائريون على مدار قرون من أنفسهم ونفيسهم، الكثير، فاستشهدوا بالملايين من أجل حريتهم، ومن أجل وأد الفتن التي أراد من أشعلوها أن تمزقهم، وفي كل مرة يتحدّون الأوجاع ويعلنونها حياة أفضل، لكن بعض الأخطاء بدرجة جرائم، مازالت تقرصنا بالمواجع، وما حادثة حريق مؤسسة الطفولة المسعفة الذي يتكفل بحياة الأطفال الأيتام، إلا حلقة جديدة من مصائب ما خطرت على البال، ولكنها سكنته وعكرّت مزاجه.
السلطات الجزائرية أعلنت عن فتح تحقيق قضائي عاجل لتحديد المسؤوليات، وعمل الشرطة العلمية سيضع أي مُقصّر ومُهمل تجاهل تطبيق معايير السلامة أمام العدالة، فالحصيلة ثقيلة جدا، والضحايا أطفال، يتمتهم الخطيئة وهم أبرياء، وما رحمهم المقصّرون والمُهملون وهم أبرياء.
أكيد، أن مسار ما بعد حادثة مركز الطفولة المسعفة بالمحمدية، لن يختلف عما بعد حادث سقوط حافلة وادي الحراش، حيث أخذت العدالة مجراها وأدين صاحب الحافلة بخمس سنوات نافذة وأدين سائقها والمراقب التقني بأربع سنوات، والقابض بعامين، وأكيد أن مراكز إيواء الطفولة المسعفة والأيتام والمشردين ستعرف ثورة لن تختلف عن ثورة تنظيم حال الحافلات واستيراد الآلاف منها التي تزين حاليا العديد من الطرقات، بحوادث مرور أقل بالتأكيد.
في مثل هذه المصائب، يصبح البكاء، هروبا من المسؤولية والتضامن فعلا لا جدوى منه، فمشهد الأطفال وهم يوارون الثرى لا يدرون بأي ذنب لقوا حتفهم، يوجب التأسيس لحياة بعيدة عما يعكر صفوها.
قيل قديما إن النار تشبه المشاعر البشرية، فهي يمكن أن تضيء طريقك، أو تحرق مستقبلك.