الرأي

انتبهوا: فهو عند الله عظيم

أبو جرة سلطاني
  • 1074
  • 3

يقول الله (جل جلاله) عن المروجين للإشاعة والدّعاية والإفك والأراجيف: ” إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم” النور: 15.

من أبسط القواعد التي حفظناها في بداية تعلّمنا أصول الفقه قول فقهائنا الكبار: ” إذا كنت ناقلا فالصّحة. وإذا كنت مدّعيا فالدّليل”. لكن كثيرا من أبناء الإسلام – لاسيما الشباب – لا ينقلون صحيحا ولا يقدّمون دليلا على ما يكتبون، وحجّتهم في منازلات ” الضرب تحت الحزام” أنّ فلانا شخصيّة عمومية !! تجوز غيبته وتشويه سمعته والطّعن في عرضه..!! لأنه كان مع النظام..!! وهو حقّ أريد به باطل كما قال الإمام علي (رضي الله عنه) عن الخوارج الذين فسّروا القرآن بأهوائهم.

أولا: من حيث المبدأ ، ليس كل من كان مع النظام مذنبا ولا سارقا ولا مختلسا ولا شريكا للفاسدين في الجرائم التي ارتكبوها ضدّ الوطن والشعب والدين واللغة والتاريخ.. فكل إنسان مسؤول عند أعاله، وربنا (جل جلاله) يقول: ” ولا تزر وازرة وزر أخرى” فاطر: 18. هذا في الدنيا. وفي الآخرة: ” كلّ نفس بما كسبت رهينة” المدّثر: 38 .

– فيوسف(ع) كان وزير للزراعة والخزينة في دولة العزيز ، ولم يطعن أحد في مساره. سوى إخوته: ” قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل” يوسف: 77. فالطعنة تأتيك دائما من ” إخوتك”..!!

– ومؤمن آل فرعون كان يعمل في سرايا “النظام الفرعوني”. ولكن الله زكى مساره وسيرته.

– وبالمقابل كان قارون من قوم موسى (عليه السلام) وبغى عليهم.

– وكان السّامري من بطانة موسى (عليه السلام) وقبض من أثره قبضة نبذها فصنع منها عجلا أضل به بني إسرائيل.. والأمثلة كثيرة.

فليس كل من كان مع الضّالين ضالا. وليس كل من في صفوف المهتدين مهتديا، ولا يتحمّل الأطهار نجاسة الفجار. ولا يؤخذ المحسن بجريرة المسيء. فامرأة لوط في النار. وامرأة فرعون في الجنة. وابن نوح منحرف وعكرمة بن أبي جهل صحابي..

تطبيقا لقاعدة: ” قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين” النمل : 64. فمن كان بيده دليل على فساد فلان أو عنده شهادة ضد علان فليقدّمها للقضاء من منطلق: “إذا كنت ناقلا فالصحّة. وإذا كنت مدّعيا فالدليل”. ورحم الله البوصيري لما قال:

والدّعاوَى إن لم تقيموا عليها. * بيّنات أصحابها أدعيّاءُ.

أما القول بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فحدّث عن “الفضاء الأزرق” ولا حرج، وللتذكير فقط فقد قال الناس كلاما غير لائق في الكتب وفي الرسل والملائكة والصالحين والعلماء.. وقالوا حتى في الله (جل جلاله). قالوا: يده مقبوضة..!! وجعلوا له صاحبة وولدا..!! و قالوا هو واحد من ثلاثة..!! وسمع الله أقوالهم وكتبها عنده: ” لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا” آل عمران: 181.. فهي عنده مكتوبة ومسطورة:” وكل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر” القمر: 53/52.

ثانيا: من حيث الموقف الأخلاقي، أرى كثيرا من شباب “العملاق الأزرق” يتسلّون بتغريدات مجحفة ويتلذذون بسب الناس واقتحام حرماتهم والنشر بغير علم ولا وعي ولا تثبت ولا تقدير للعواقب.. ويحسبون التغريد في الفايس بوك هينا: ” وهو عند الله عظيم” النور: ١٥. ربما لجهلهم بالمآل..!!

ليس عذرا أن يكونوا جاهلين بأن الكتابة في وسائل التواصل الاجتماعي شهادة لهم أو عليهم (سواء وقّعوها بأسمائهم أو نشروها بأسماء مستعارة). فالله يعرفهم ويعرف أسماءهم وعناوينهم، وهو مطّلع على نيّاتهم وعليم بما في صدورهم ومحيط بخطر ما ينشروت.. فهم على خطير كبير في حركة الحياة الدنيا. ويوم القيّامة لا تنفعهم معاذيرهم: ” بل الإنسان على نفسه بصيرة . ولو ألقى معاذيره” القيامة: 15/14.

ثالثا: في الحكم الشّرعي، كل ما يصدر عن أغلب روّاد التواصل الاجتماعي من إساءة لأعراض الناس و تدنيس لشرف الأفراد والأسر وترويج لأراجيف ونشر لإشاعات لا أساس لها من الصحّة. ولا سند لها سوى ما يفتريه عليهم خصومهم الذين عجزوا عن مواجهة الرجال بالحجُة والدليل فاخترعوا ما أشاعوه من إفك ظنّا أنهم سيضرّوهم به. فإذا بهم يكتشفون أنهم خدموهم من حيث لا يشعرون.

– فقد أبقوا أسماءهم حيّة في أذهان الناس.

– وخبأوا لهم حسنات سيقتطعها الله لهم من رصيدهم يوم القيّامة.

– وكشف الزّمن أنهم مفترون.

– وتعاطف الرأي العام مع من ظلموهم بعد اكتشاف الخديعة والتّآمر وقبض بعضهم ثمنا دنيويا زهيدا.

قل صدق الله القائل: ” ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين” النور: ١٢. فخطورة الحديث عن أعراض الناس كبيرة من الكبائر في فقهنا ترافق صاحبها إلى القبر وتواجهه يوم الحساب.

رابعا: هذا بلاغ للناس، في رحلة الإسراء والمعراج مرّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على قوم لهم أظافر من نحاس يخمشون بها وجوههم. فسأل: “من هؤلاء يا جبريل؟”. فقال: “هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم”. فالخوض في أعراض الناس عامة خطأ أخلاقي لا يقع فيه من يحترم نفسه. ويصير خطيئة شرعية لا تصدر عن مسلم إذا رمى بها بريئا . فإذا نشرها وقرأها الناس فقد شهد على نفسه بين يدي الله ودوّن شهادته بتوثيقها – في العالم كله – أنه سعى في تشويه عرض مسلم. فارتكب في حق نفسه كبيرة من أشد الكبائر ضررا عليه قبل أن يمس ضررها الضّحية (الذي قد لا يقرأها ولا يخبره بها أحد). ولكن الملائكة تكتبها في صحيفة من دوّنها “تغريدة” ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي فقرأها آلاف المتصفّحين وأعاد بعضهم نشرها فسرى إثمها على من كتبها ومن نشرها وعلى من أعاد توزيعها. فلا ينجو سوى من تصدى لها بنيّة الدّفاع عن عرض أخيه بظهر الغيب فيكتب الله له ثلاث حسنات.

1- حسنة عن اجتهاده في ستر عرض أخيه بالغيب فيستر الله عرضه في الدنيا والآخرة.

2- وحسنة عن نيّة الدفاع عن أخيه. فيدافع الله عنه وهو لا يعلم.

3- وحسنة سريّة يخبؤها الله له يوم القيامة فيستر عليه كما ستر على أخيه.

أما المستهتر بما يكتب من تغريدات. والمستخف بما ينشر من تعاليق و”هاشتاغات”. والساعي في تشويه سمعة مسلم، والقول في أعراض الغائبين عنه بغير علم ولا سابق معرفة ولا تبيّن.. سوى مرجع ” راهم يقولوا”..!! أو ” سمعت الناس يقولون..”. فسوف يبتليه الله في حياته بأمرين توعّد هاتكي أعراض الناس بتعجيلهما لهم في الدنيا. ويوم القيامة يجدون أنفسهم من المفلسين.

أما العقوبتان العاجلتان للوالغ في أعراض الناس فهما:

1- أنه لن يموت حتى يقيّض الله له من يتتبّع عوراته ويفضحه ويهتك عرضه ويتناول سيرته وينشر ما يسيء لعرضه وعرض أسرته (زوجته. بناته. أخواته. أصهاره..الخ) حتى يندم على ما كان يفعل. فالجزاء من جنس العمل. وكما تدين تدان. والله يمهل ولا يهمل..ومن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته.. الحديث أدناه.

2- لن يموت حتى يرى بعينيه ويسمع بأذنيه أخبار فضائح تطاله بأيدي من لم يكن يتوقع منهم فضيحه. وذاك وعيد المصطفى (صلى الله عليه وسلم). فقد صعد المنبر يوما وخطب قائلا:” يا معشر من أسلم لسانه ولم يسلم قلبه. لا تتبّعوا عورات المسلمين، فإنه من يتّبع عورات المسلمين يتّبع الله عوراته. ومن تتبّع الله عوراته فضحه ولو في رحل بيته”. فمن أدمن تتبّع أعراض الناس بهدف تشويه سمعتهم ينتظر دوره يوما، فهو كالقيامة آت . عندها سيعلم أنه كان من الخاطئيين.

خامسا: أعراض الناس ديون واجبة السّداد، إما أن تسدّد في الدنيا أو يتقاضاها أصحابها يوم الحساب. فما ينتظر الطّاعنين في أعراض الناس يوم القيامة كبير عظيم رهيب مهيب.. حسبهم أن الله يأخذ من حسناتهم فيعطيها لمن شتموهم ولمن سبّوهم ولمن شوّهوا سمعتهم وهتكوا حرمتهم ووسخوا أعراضهم.. فإذا انتهت حسناتهم ولم يقضوا ما عليهم رُدّت عليهم سيئات من كانوا يتتبّعون عوراتهم وينشرون أخبارهم ويشوّهون صورتهم لدى من يعرفهم ومن لا يعرفهم. حتى تنتهي حسناتهم وتتراكم عليهم سيئات من آذاوهم ثم يقذفون في النار.

ففي “حديث المفلس” شفاء لصدور من يتسلّى الفارغون بنشر أخباره بمناسبة وبغير مناسبة. فقد سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صحابته يوما:” أتدرون من المفلس؟”. قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع. قال:” المفلس من أمتي من يأتي بوم القيّامة بصلاة وزكاة وصوم.. ويأتي وقد ضرب هذا. وشتم هذا. وأكل مال هذا. وسفك دم هذا.. فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه رُُدّت عليه سيئاتهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار”.

وأخيرا نصيحة لوجه الله: من مساوئ وسائل التّواصل الاجتماعي أنها تسجّل كل ما ينشر فيها. وتعيد التّذكير به بعد عام ثم تذكّر به بعد مرور خمس سنوات.. وهكذا.. فإذا نسيّها “المغردون” ذكّرهم محرّك البحث بما كانوا يصنعون حتى تقوم الساعة. وتلك من الآثار التي يكتبها الله في سجلاّت المغرّدين لقوله تعالى: ” إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين” يس: 12.

هي صحيفة أعمالك مفتوحة بين يديك فاكتب فيها ما تشاء فسوف تجد ما كتبت محضرا وسوف تسأل عنه فالقلم أحد اللسانين:” ولا يظلم ربك أحدا” الكهف: 49.

مقالات ذات صلة