انتفاضة حكومة
فاجأ قانون المالية التكميلي 2009 العائلات الجزائرية والمتعاملين الاقتصاديين بسلة من الإجراءات والتدابير القانونية أقل ما يُقال عنها أنها علامات انتفاضة حقيقية في المجال الاقتصادي لم تعرف البلاد شبيها لها منذ العام 1994، أي منذ الشروع في تطبيق برنامج التعديل الهيكلي. وقال مسؤول في الجهاز التنفيذي، الأسبوع الماضي، إن تدابير القانون المذكور تشكل البداية في سلسلة التدابير التي ستتخذها الحكومة ضمن موازنة الدولة للعام 2010 مما يثير مجالا واسعا للترقب، خاصة وأن الموازنة المقبلة هي أول موازنة سيوقعها رئيس الجمهورية في عهدته الثالثة. فماذا يعني أن تنتفض الحكومة بهذه الطريقة؟ وما جدوى هذه الانتفاضة من منظور التصحيح الاقتصادي والاجتماعي؟
-
-
-
تصحيح لابد منه
-
-
من المتوقع أن تتراجع إيرادات الدولة من صادرات المحروقات هذا العام بنسبة 50 بالمائة لتلامس 40 مليار دولار وأن تزيد فاتورة الواردات بنسبة 25 بالمائة لتصل إلى 50 مليار دولار وربما يقفل العام على فائض في الميزان التجاري يقارب الصفر أو ينزل قليلا، خاصة وأن بيانات الثلاثي الأول من السنة أكدت تحول هذا الفائض من 9.99 مليار دولار العام 2008 إلى 1.32 مليار دولار العام 2009 أي بتراجع قدره 87 بالمائة. أرقام مقلقة من وجهة نظر التجارة الخارجية ودرجة مقاومة الاقتصاد للصدمات. والمقلق أكثر هو أن البرنامجين الاقتصادي والاجتماعي للدولة في مجالات الاستثمار والتشغيل وخلق الثروة ومحاربة الفقر لا ينتظر منهما نتائج على المدى القصير، في حين أن استجابة الاقتصاد الوطني لمتغيرات السوق الخارجية هي استجابة فورية بسبب هشاشة بنية الصادرات.
-
-
وهكذا يبدو أن الحكومة لا تملك في الوقت الحاضر أدوات السياسة الاقتصادية للتصحيح مما يحتم على راسمي القرار الاقتصادي اللجوء الى الإجراءات القانونية لتجنب الأسوأ، وفي حالة الشعور بالأزمة غالبا ما تبدو تلك الإجراءات سريعة، مكثفة وربما غير مدروسة ولكنها في ظروف محددة تكون لازمة.
-
-
وتدور إجراءات التصحيح هذه حول خفض حجم الاستيراد قدر الإمكان بوضع قيود مالية وجبائية وقانونية صارمة مثلما ينص على ذلك قانون المالية التكميلي 2009. وعلى سبيل المثال، فإن إلغاء قروض الاستهلاك الموجهة للعائلات سيحد من الطلب الداخلي على سوق السيارات والمواد الكهرومنزلية بحوالي 50 بالمائة، مما يحد من طلب الوكلاء في السوق الخارجية بسبب الارتباط القوي بين الطلب الداخلي والمنتوج الأجنبي. ونفس الشيء بالنسبة لمنع استيراد الآلات الإنتاجية القديمة حيث ظلت تلك الآلات المنتوج المفضل للمستثمر بسبب أثر الأزمة الاقتصادية على أسعار أدوات الإنتاج المستعملة في السوق الخارجية. وفي نفس المنظور تفسر الإجراءات الجديدة على المستوردين من إجبارية التسديد بطريق الائتمان المستندي أو رسائل الإئتمان، وفرض رسم جديد على التوطين البنكي بنسبة 3 بالمائة من مبلغ التوطين الى حضور المعني بصفته الشخصية في معاملات التخليص الجمركي إلى خضوع الواردات لنمط جديد من المراقبة تقوده شركات أجنبية متخصصة.
-
-
ندفع ثمن غياب السياسة الاقتصادية
-
-
تستورد الجزائر المواد الغذائية بحجم يجاور 7 ملايير دولار، والمواد الصيدلانية والأسمدة بجوار 4 ملايير دولار، والخدمات من نقل ودراسات ومصرفية بجوار 11 مليار دولار، ومواد أولية ونصف مصنعة وأخرى بجوار 26 مليار دولار. وربما تزيد هذه الأرقام أو تنقص لأسباب إحصائية وتدخل السوق الموازية وعدم شفافية وسائل الدفع. والملاحظ على هذه المواد، أن جزءا مهما منها تمتلك فيه الجزائر مزايا نسبية بل تنافسية لإنتاجه محليا سواء برأسمال وطني أو بالشراكة. ولكن غياب السياسة الاقتصادية بسبب طبيعة الاقتصاديات النفطية وضعف الإدارة الاقتصادية غالبا ما تحجب الحكمة عن واضعي السياسات، وعندما تضاف إلى هذه المعادلة عناصر التسيّب والفساد وانعدام الشفافية وغياب الرقابة وتساهل التشريع، فإن النتيجة تدفع بالموارد إلى خارج نطاق التحكم وتختل معادلة التوازن بين الاستثمار الحقيقي والتجارة أي بين خلق الثروة وشراء السلعة. مشهد لا تملك الحكومة أمامه خيارات كثيرة في المدى القصير وتصبح الإجراءات عندها حلولا مفضلة لوقف النزيف.
-
-
لسنا اليوم بصدد مساءلة الحكومات كلها عن جدوى أدائها الاقتصادي والاجتماعي الذي دفع بثاني دولة ناهضة في إفريقيا الى إدارة اقتصادها من منظور الأزمة لا من رؤية الاستراتيجية، بل إن حق المواطنة يفرض علينا واجب الإشارة الى أن مساحة واسعة للحوار ضمن مؤسسات التشاور الاقتصادي والاجتماعي لازالت غير مستغلة ولو استغلت تلك المساحة في الوقت المناسب لأمكن إطلاق العناصر الأساسية لاقتصاد وطني متين منذ أن تخلصت البلاد من الضغوطات المالية الخارجية.
-
لم يفت الأوان
- مازال المتدخلون في الشأن الاقتصادي الوطني يحذرون منذ فترة من انعكاسات الأزمة الاقتصادية على الوضع في الجزائر وأن إحلال الواردات بالشكل الناجع لن يكون خارج حفز القطاع الوطني المنتج، ومازلنا منذ فترة ندعو الى تخفيض حصة الواردات من التجارة الخارجية للدولة ليس كاختيار اقتصادي فحسب بل وكأداة فنية لوقف نزيف العملة الصعبة وأكثر من ذلك اقترحنا سقفا للواردات لا يزيد عن 27 مليار دولار في المدى القصير. وبعضنا ظل يركز على أخلقة النشاط الاقتصادي وإدراج المنظومة الاقتصادية الوطنية ضمن القيم الاجتماعية وفسح المجال أمام أدوات التمويل الإسلامي عالي النجاعة، واستغلال البحبوحة المالية الحالية في دعم المؤسسة بصورة مباشرة في القطاعات التي نملك فيها مزايا نسبية وهي عديدة. وفي نفس الوقت لا أحد يستطيع أن يغمض عينيه عن مساع بذلتها وتبذلها الدولة في هذا الاتجاه، سواء ضمن المخطط التوجيهي لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أو المخطط المدير للنهوض بقطاع السياحة أو ضمن المراسيم التنفيذية لحماية الأراضي الفلاحية واستغلال العقار الموجه للاستثمار أو ضمن الصناديق المختلفة لتنمية الهضاب والجنوب أو ضمن برنامج دعم النمو. ولكن لا أحد يستطيع أن يغمض عينيه عن التجاوزات التي طالت القطاعات المختلفة والاختلال في متابعة تنفيذ البرامج واستغلال المال العام في تشكيل البرجوازية الجديدة بالشكل الذي أفقد الخطاب الرسمي مصداقيته وأفرغ بعض تلك البرامج من بعض نجاعتها، ومع ذلك: لم يفت الأوان…