انحراف في باريس وبكائيات على مصير العلاقات مع الجزائر
مرة أخرى، يخرج المسؤولون الفرنسيون ليتحسّروا على مصير العلاقات مع الجزائر، التي دخلت نفقا مظلما، ولكن من دون أن يتسلحوا بالجرأة لينظروا في المرآة، ويقفوا على حقيقة الجهة التي تسببت باستمرار في تدمير العلاقات الثنائية، قبل أن ينخرطوا في البكائيات على وضعها الراهن.
وعلى مدار يومين متتاليين، الأحد والإثنين، خرج كل من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ووزير خارجيته، جان نويل بارو، ليعربا عن تخوفهما من مستقبل العلاقات بين الجزائر وباريس، فيما بدا تعبيرا عن عدم رضاهما على قرار السلطات الجزائرية، الرافض لأي مساومة في قضية الكاتب الفرنسي، بوعلام صنصال، الموجود قيد الإيقاف في انتظار محاكمته بسبب تهم تتعلق بإضراره بالوحدة الترابية للجزائر.
والإثنين السادس من جانفي الجاري، لم يتمالك الرئيس الفرنسي نفسه في لقاء جمعه بسفراء بلاده، وراح يقحم نفسه في قضية حساسة وفي ظرف أكثر حساسية وهي قضية صنصال، قائلا: “الجزائر التي نحبها كثيرا والتي نتشارك معها الكثير من الأطفال والكثير من القصص، تدخل في قصة لا تشرفها”، زاعما بأن الجزائر “تمنع رجلا يعاني من مرض خطير من الحصول على العلاج”، كما جدد دعوته لإطلاق سراح صنصال، في تدخل سافر في شؤون القضاء الجزائري.
وقبل ذلك بيوم واحد (الأحد الخامس من جانفي)، خرج وزير الخارجية الفرنسية، جان نويل بارو، ليعرب عن “شكوكه” بشأن رغبة الجزائر في الالتزام بخارطة طريق العلاقات الثنائية، التي أفرج عنها خلال زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون، إليها في صائفة 2022، أو ما سمي حينها “الإعلان المشترك” لتعزيز العلاقات بين البلدين، التي “لم تعد كما كانت” في اعتراف من قبل المسؤول الفرنسي بتدهورها.
كلام رئيس الدبلوماسية الفرنسية جاء في حوار لعدد من الصحف والقنوات الفرنسية، على غرار القناة البرلمانية العمومية “آل سي بي”، وقناة “آم 6″، وصحيفة “لوفيغارو” اليمينية، وقد تساءل عن مصير “خارطة الطريق” سالفة الذكر، قائلا: “نريد التأكد من أنه يمكن اتباعها”، ثم لم يلبث أن استدرك: “نلاحظ أن مواقف وقرارات صدرت عن السلطات الجزائرية تسمح لنا بالشك في نية الجزائريين في الالتزام بخارطة الطريق هذه”.
وبينما أبان جون نويل بارو عن رغبة السلطات الفرنسية في أن تستعيد العلاقات مع الجزائر عافيتها، سقط من جهة أخرى في مطبة تقويض هذه العلاقات من خلال التدخل في الشأن الداخلي للجزائر، وهو يتحدث عن ما وصفه “القلق البالغ” للرئيس الفرنسي، إزاء رفض طلب الإفراج عن بوعلام صنصال، الذي ارتكب جرائم ثقيلة في نظر السلطات الجزائرية، في الحوار الذي أجراه مع قناة “فرونتيير” اليمينية الفرنسية، وقلب فيه حقائق معلومة للجميع، ونال بسببها انتقادات من قبل مختصين بارزين على غرار المؤرخ الفرنسي الشهير، بنجامان ستورا.
وعندما يضع وزير الخارجية الفرنسية نفسه محل العدالة الجزائرية بالمطالبة بإطلاق سراح صنصال المتهم، وهو يزعم بأن “الأسباب التي قد تكون دفعت السلطات الجزائرية إلى سجنه غير صحيحة”، فإنه يكون قد وقع في خطيئة لا تغتفر بالنسبة لمسؤول في مستواه، كما أنه يناقض كلامه الذي أبان من خلاله عن حرصه على تطوير العلاقات مع الجزائر، وهو أمر لا يحصل البتة عبر التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة مهما كانت.
“خرجة” كل من الرئيس الفرنسي ووزير خارجيته، تشكلان تحد غير مبرر للقاضي الأول في الجزائر، الرئيس تبون، الذي كان قد هاجم بشدة الكاتب الفرنسي، صنصال الأسبوع المنصرم (29 ديسمبر 2024)، ووصفه بأنه “لص مجهول الهوية والأب، أرسلته فرنسا”، وهذا سبب آخر لا يقود إلى تهدئة العلاقات الثنائية، بل إلى تأزيمها.