الشروق العربي

بأم البواقي.. 447 شهيد رمتهم فرنسا في بئر من بينهم عروس

فاروق كداش
  • 835
  • 0

132 سنة من الجريمة، لا يمكن أن تمحى بجرة قلم أو بمرور الدهر كله.. فجريمة فرنسا لا صفح فيها ولا غفران، ولو جاءت بمداد البحر اعتذارا.. الجريمة لا تتقادم، خاصة وإن كان الجاني يقتل مع سبق الإصرار والترصد. من أرشيف الثورة ننقل لكم بغصة في القلب، قصة مدينة، أو بالأحرى بئر معطلة في المدينة، كانت في يوم ما بئرا تسقي الحياة، فصارت قبرا واختلط ماؤها فصار غورا.

كانت مدينة لوفاسور بأم البواقي، في عهد الاستعمار الفرنسي، مدينة ثائرة، والثورة أيقظت آخر من كان يغط في سبات وهم الاستعمار. وكدأبها، قابلت فرنسا بجنودها المجندة كل ثورة أو رفض بالتعذيب والقتل والتشريد، في معتقلات مدينة لوفاسور، تفنن ضباط فرنسيون في تعذيب الثوار الأشاوس، وحتى من لم يكن يدرك ما يجري حوله بسذاجة، كانت تقلب كيان فرنسا وتزيد من سهاد جلاديها، الذين ما فتئوا يتساءلون: من أين أتى هؤلاء “الأنديجان” بكل هذه العزيمة، بكل هذا الغضب؟؟ ألم تقتل فرنسا فيهم روح المقاومة؟ ألم تجردهم من رغبة الحرية الجامحة؟ ألم تنسهم في الأمير عبد القادر والمقراني وبوبغلة؟ ألا تزال نساؤهم يذكرن لالة نسومر؟

علقت بعض الأسماء في ذاكرة المدينة، ممن عايشوا تلك الأحداث، مثل اليهودي ديزو، الذي كان يكن حقدين، حقد الاستعمار وحقد الدين والملة.

غير بعيد من لوفاسور، كانت هناك مزرعة تعرف باسم “فور”، وقد شهدت هذه الفيرمة معارك دامية بين المجاهدين والجيش الفرنسي. ومرت على هذا المكان أسماء كبيرة، مثل العربي بن مهيدي والعقيد الحاج الأخضر، غير أن الفيرمة صارت معتقلا ومركزا للتعذيب، تمارس فيه أكثر وسائل التعذيب وحشية، مثل التقييد بالسلاسل وتضميد الجراح بالملح والتعريض لأشعة الشمس حتى الموت.

بين أواخر 1958 وبداية 1959، بدأ الناس يختفون، الواحد تلو الآخر، في الشوارع والمعتقلات، حتى إن عروسا، في ليلة عرسها، رفقة زوجها، تم إعدامهما بالرصاص، ولا تزال حنتها لم تجف بعد.. حين اختفى 447 رجل وامرأة، بلا دليل يقود إلى جثثهم أو سجنهم.. فقد نقلت فرنسا المعتقلين إلى محتشد “فور” بدوار الزاوية..

أحد الشهود، رأى في جنح الليل، خمسة جنود فرنسيين يتسللون بسيارة جيب عسكرية إلى بئر، عمقها أكثر من

أربعين مترا، وتغمر مترين منها المياه، تعرف باسم بئر دومانش. وبدأ العساكر يروحون ويجيئون من مكان ما نحو البئر، أربع مرات في ليلة واحدة. لم يشك أحد في أن الجيش الفرنسي كان ينقل جثث المعتقلين والأبرياء، ليدفنها في تلك البئر، ويطمس جريمته بسكب مواد لتحليل الجثث.

بعد الاستقلال، ذهبت فرنسا وتركت خلفها ملايين الشهداء، ممن أعدمتهم وشنقتهم وأحرقتهم، لكن في بئر ما من مدينة لوفاسور، كان هناك قبر منسي، يضم 447 جثة من جثث شهداء، تم رميهم.. وقد تبين أنهم كانوا من سكان المدينة والمدن المجاور لها. وتقول بعض الروايات إن عدد الشهداء المطموسة أجسادهم الطاهرة فاق 700.

مقالات ذات صلة