بابا نويل وليبيا
ندوة باريس حول ليبيا، والتي حضرتها الجزائر ممثلة في وزير الخارجية، أي بتمثيل من الدرجة الثالثة، بسبب الأزمة بين الجزائر وباريس، تشكّل حجرا آخر في حجر العثرات المتراكمة في طريق الحل في ليبيا. ليبيا المقبلة على أمر في غاية الأهمية، لكنه في غاية التحدي والتعقيد. ليس بمقدور باريس ولا حتى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ولا حتى دول الجوار، بمفردها حل الخلاف بين الفاعلين والأطراف المتصارعة على الطاولة وعبر تصارع الصلاحيات وتنافس الفرقاء على من تكون له الغلبة ما بعد انتخابات 24 ديسمبر..
ما حدث في ليبيا منذ الإطاحة بنظام القذافي، بتدخُّل عسكري فرنسي تحت غطاء الاتحاد الأوروبي، يجعل فرنسا حَكما غير جاد، خلافا لألمانيا وإيطاليا. على هذا الأساس، فإن الدور التركي والروسي محدَّدٌ في الصراع على أساس أن إخراج القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة، لا يزال يرواح مكانه وكل طرف ينتظر ما بعد تاريخ “ميلاد المسيح”.. ودور بابا نويل في الحل في ليبيا.
المقاربة الجزائرية ودول الجوار التي أسهمت في استمرار العمل بمقتضيات مؤتمر برلين الذي حضره الرئيس تبون.. ولم يحضر ندوة باريس، قد تكون واحدة من أهمِّ المقاربات للحل في ليبيا لولا التشويش عليها في كل مرة من جهة أو أكثر؛ فلقد بدأ التشويش قديما، وكل جهة أو دولة تريد أن يكون الحل بما تراه وتتمناه وتكسبه غدا، بما في ذلك المغرب الذي وظف “ديبلوماسية القفز على حبال” دول الجوار إثر عدم دعوته إلى مؤتمر جنيف، فضّل أن يتعقل مع طرف عقيلة، و”يسيرج حذاء” فريق السراج. مخرجات الصخيرات، إلى الآن لم تطبَّق ولا تزال هي العقبة الكأداء في إجراء الاستحقاق المرتقب.
العقبة الأساسية في ليبيا هي إصرار الروس والأتراك على التواجد في ليبيا لدعم التوجُّه المستقبلي لهذا البلد. الدور الإسرائيلي، لا يمكن إنكاره أو تحييده في ليبيا. المغرب، وبعض دول الخليج وحتى مصر تريد أن تكون ليبيا قوية عسكريّا ولا يهمّ أن يكون نظامُها ديمقراطيّا، وهو ما تحبذه إسرائيل التي تريد أن تقترب من الجهة الشرقية للجزائر عبر دبابة حفتر، بعد ما اقتربت منها من الجهة الغربية بطائرات الدرون، هذا التوجُّه لا يمكن إنكارُه.
بالمقابل، تريد الجزائر أن تعمل على المصالحة بين الأطراف وتحكيم صوت العقل والصندوق وحدهما، لا صوت السلاح ولا صوت الاستقواء بأي طرف، إلا الأطراف الليبية وحدها. الجزائر تريد ليبيا دولة مستقرة ذات سيادة لا يتدخل أجنبيٌّ في شؤونها الداخلية، وهي عقيدتها التي تطبقها على نفسها وتريد أن تعمّ كل دول الجوار الجزائري وباقي الدول من دون استثناء، لكن هذا الحلم وهذا التمني، مهما كان العمل لأجله سائرا على قدم وساق، فإنه يتطلب نفَسا ووقتا. الحرب حطمت عُرى الأخوَّة والمحبَّة بين الفرقاء وصار كل فريق ينظر إلى أخيه بعين الريبة والتخوّف والحقد أحيانا، وكل مرة تتأزّم الأمور، يعود صوتُ القوة غير العاقلة ليطفو عبر التصريحات النارية بين الفرقاء.
الانتخابات هي الحلّ، لكن في غياب توافق على الوثيقة الانتخابية التي هي قانون الانتخاب، وفي ظلّ تشريع غير متفاهم عليه مع المجلس الأعلى للدولة، لن تجرى هذه الانتخابات كما يعوَّل عليها، وقد يعود الانقسام مجددا وتعود لغة القوّة، في ظل وجود استقطاب لا يزال حادا للأسف، كون المبادرة الجزائرية قد شُوِّش عليها وإلا لكان الفرقاء، بعد قطع خطوط الدعم والإمداد الخارجي، قد رضوا بالمصالحة والتفاهم لا التنابز والتناحر.