باريس.. المُنقذ الفاشل للمخزن من الموت السريري
فرنسا وإسبانيا تقفزان على العدالة الأوروبية مجددا وقرارها يبقى ملزمًا
تبدو مواقف بعض القادة الغربيين وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وكأنه متوجس من انهيار النظام الملكي في الرباط تحت أقدام انتفاضة شعبية ضد الفساد السياسي والأخلاقي ومشاكل البطالة والفقر.. ولذلك يحرص كسابقيه في قصر الإيليزي، في كل مرة على توفير ما يعتقد أنه ترياقا يزيد من عمر النظام العلوي، الذي أصبح يعيش على ترويج أكاذيب تتحدث عن انتصارات وهمية في الصحراء الغربية. ماكرون ويقينا منه بأن القرار البات والنهائي لمحكمة العدل الأوروبية الذي قضى في الرابع من أكتوبر المنصرم، بأن لا سيادة للنظام المغربي على الأراضي الصحراوية، هز المملكة المغربية هزة عنيفة وضعتها على حافة السقوط، لأن هذا القرار فتح أعين الشعب المغربي على حقيقة غير التي كانت تروجها الأذرع الإعلامية للقصر العلوي، والتي مفادها أن قضية الصحراء تم حسمها. وإن كانت الرباط لم تربح شيئا من قرار ماكرون الذي ليس بيده القرار، فما الذي ربحته باريس ومن سار على نهجها؟ وما تداعيات ذلك على سمعتها؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها هذا الملف.
أوهمت النظام المغربي بأنها المنقذ وهي فاقدة للحل في الصحراء الغربية
هكذا خسرت فرنسا قيمها كدولة راعية لقيم الحرية والإنسانية
منذ صدور قرار محكمة العدل الأوروبية في الرابع من الشهر المنصرم، والذي قضى كما هو معلوم بأن لا سيادة للنظام المغربي على الأراضي الصحراوية، قامت كل من فرنسا وبدرجة أقل إسبانيا، بخطوتين أقل ما يقال عنهما أنهما تندرجان في سياق بحث باريس ومدريد عن مخارج للنظام المغربي من العزلة التي وضعته فيها محكمة العدل الأوروبية، التي سفهت قرارات بعض العواصم في القارة العجوز، التي أعطت ما لا تملك لمن لا يستحق.
أولى هذه المناورات كانت مخرجات الزيارة التي قادت الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى المملكة العلوية بعد نحو ثلاثة أسابيع من صدور قرار محكمة العدل الأوروبية، بتأكيد دعمه للسيادة المزعومة للنظام المغربي على الأراضي الصحراوية، وهو الموقف الذي اعتبر تحديا لقرار المحكمة الأوروبية من جهة، ومحاولة لتحقيق انتصار دبلوماسي وهمي للرباط، للرفع من معنوياته بعد الضربة التي تلقاها من المحكمة، والتي صدمت النظام المغربي وعرت ادعاءاته أمام شعبه، إلى درجة أن وزير خارجيته ناصر بوريطة، خرج ليقول متبجحا بأن القرار لا يعني المملكة العلوية، وكأن الاتفاق موقع بين الاتحاد الأوروبي و”مملكة الواقواق”.
أما ثانيها فتتمثل في ترخيص مؤسسة “ENAIRE”، وهي هيئة إسبانية عمومية مكلفة بإدارة الملاحة الجوية في إسبانيا والصحراء الغربية، بإقامة رحلات بين إسبانيا ومدينة الداخلة الصحراوية المحتلة، في انتهاك آخر لقرار محكمة العدل الأوروبية، ما دفع الطرف الصحراوي إلى تقييد شكوى ضد هذه المؤسسة الإسبانية.
ويعتبر قرار محكمة العدل الأوروبية ملزما للدول التي تقع تحت اختصاص هذه المحكمة، ومنها فرنسا وإسبانيا، وإن ركنت هذه الأخيرة إلى الهدوء وعدم الاندفاع بدعم أطروحة النظام المغربي والاكتفاء بالتأكيد على البحث عن حل يرضي الطرفين، إلا أن الرئيس الفرنسي أبى إلا أن يتحدى قرار القضاء بشكل فاضح وصارخ، بتوجيه سفيره إلى التنقل إلى الأراضي الصحراوية المحتلة، في أول زيارة لمسؤول أوروبي في مستواه، تأكيدا على القفز على القرار.
وإن كان قرار الرئيس الفرنسي لا يقدم ولا يؤخرا شيئا في القضية الصحراوية لكون الأمر محسوما من الناحية القضائية فضلا عن كونه من اختصاص مجلس الأمن الدولي، إلا أنه يؤكد من جهة أخرى، أن باريس تحرص في كل مرة على لعب دور المنقذ، من خلال توفير حبل النجاة للنظام المغربي، ولو في صورة انتصارات معلبة في شكل فقاعات إعلامية تتداولها الأذرع الإعلامية المغربية، لتنويم الشعب المثقل بمعاناة الفقر والبطالة والغلاء الفاحش، خوفا من انتفاضة قد تطيح بالملكية التي أرساها الماريشال هوبير ليوطي، مؤسس المملكة المغربية الحديثة في سنة 1912، وجعل منها نظاما وظيفيا في خدمة الغرب والقوى الاستعمارية التقليدية والمعاصرة.
مواقف بعض الدول الغربية وعلى رأسها وإن بدت وكأنها قريبة من أجندة النظام العلوي في الرباط، إلا أن ذلك، لا يعني أنها أنجزت ما تبحث عنه المملكة المغربية، بقدر ما هي خسرت سمعتها كدولة لم تتخلص بعد من عقد الاستعمار، كما خسرت أيضا دولة إقليمية بحجم الجزائر في منطقة شمال إفريقيا والمغرب العربي، وهو ما لا يستبعد أن تندم عليه في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة.
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية السعيد حامد لـ”الشروق”:
“يحق للصحراويين متابعة فرنسا وإسبانيا لدى العدالة الأوروبية”
قبل أيام رخصت هيئة الطيران المدني الإسبانية “ENAIR” لشركة طيران خاصة باستغلال خط جوي يربط بين المطارات الإسبانية ومدينة الداخلة الصحراوية المحتلة، وكذا زيارة السفير الفرنسي إلى الصحراء الغربية المحتلة. وقبل ذلك عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته للنظام المغربي عن دعمه لأطروحة الرباط في الصحراء الغربية، ألا يعتبر ذلك انتهاكا لقرار محكمة العدل الأوروبية التي أصدرت قرارها في الرابع من أكتوبر المنصرم بأن لا سيادة للنظام المغربي على الأراضي الصحراوية؟ وما تعليقكم على ذلك؟
ـ الصحراء الغربية هي آخر مستعمرة في إفريقيا وهي مدرجة ضمن اللجنة الأممية الرابعة لتصفية الاستعمار. كما أنه لا توجد أي علاقة جغرافية أو تاريخية أو قانونية بين الإقليم المحتل (الصحراء الغربية) وبين النظام المغربي، وهذا استنادا إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية سنة 1975، وكذا كل القرارات اللاحقة أو البعدية الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية وكذلك محكمة العدل الإفريقية هذا من جهة.
كيف ينظر من الناحية القانونية أو السياسية للخطوات التي أقدم عليها الرئيس الفرنسي، التي جاءت بعد قرار محكمة العدل الأوروبية الأخير؟
بخصوص مدى قانونية الخطوات التي أقدم عليها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارته للملكة العلوية الشهر المنصرم، بدعمه لمخطط الحكم الذاتي، أو بزيارة سفيره في الرباط، كريستوف لوكورتيي، إلى الأراضي الصحراوية المحتلة لبحث الفرص الاستثمارية هناك، فيمكن القول إن القرار الصادر عن الرئيس الفرنسي لا قيمة له، لا من الناحية القانونية ولا السياسية، لأنه مخالف حتى للتشريع الفرنسي في حد ذاته، فضلا عن كونه صدر في ظل وجود حكومة تصريف أعمال (…).
كما أن ماكرون عندما قرر دعم مخطط الحكم الذاتي للنظام المغربي في الصحراء الغربية، فهو لم يستشر حتى البرلمان الفرنسي، وقد اعترضت عليه العديد من الشخصيات الفرنسية الوازنة، دون أن ننسى أنه صادر عن دولة استعمارية حاقدة وهي الراعي الرسمي للاحتلال المغربي الغاشم والمعرقل الأساسي لكل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي التابع للجمعية العامة للأمم المتحدة.
نفهم من كلامك أن خطوات الرئيس الفرنسي لاغية من الناحية القانونية، لأنها تعد قفزا على قرار محكمة العدل الدولية؟
بالتأكيد، لأن القرارات الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية ملزمة لكل الدول الأوروبية، باعتبارها تقع تحت دائرة اختصاصها الإقليمي. وتلك القرارات نصت كلها كما هو معلوم، على بطلان كل الاتفاقيات الزراعية الموقعة بين النظام المغربي والاتحاد الأوروبي، والتي تتعلق باستغلال الثروات الباطنية للصحراء الغربية المبرمة بين العديد من الدول الأوروبية والنظام المغربي.
كيف تعلقون على موقف الرئيس الفرنسي الذي تمرد على قرارات محكمة العدل الأوروبية؟
الرئيس الفرنسي ليس سيد قراره، وهو خاضع في كل قراراته السياسية والاقتصادية إلى اللوبيات الصهيونية المتحكمة وجماعات الضغط المسيطرة على كل مفاصل الاقتصاد والمال والإعلام، دون أن ننسى أن فرنسا الرسمية بسلوكها هذا تكون قد داست على ميثاق الأمم المتحدة التي هي من بين الدول التي شاركت في صياغته.
في ظل تعمد بعض الدول الأوروبية التمرد على قرار محكمة العدل الأوروبية الذي أخرج الصحراء الغربية من سيادة المملكة العلوية، ما الذي يتعين على الجمهورية العربية الصحراوية القيام به من الناحيتين السياسية والقانونية للحفاظ على حقها المكفول بقرار قضائي بات؟
أمام الجمهورية العربية الصحراوية باعتبارها الطرف المتضرر، العديد من المنافذ التي يمكنها من خلالها الدفاع عن حقوقها المشروعة، أولها رفع شكاوى ضد الدولة أو الدول الأوروبية إلى محكمة العدل الأوروبية، باعتبارها صاحبة الاختصاص المباشر في حالات من هذا القبيل، وبإمكانها كسبها جميعها لأن القاعدة الحقوقية مثبتة في قرارات المحكمة السابقة، وكذا في مقررات هيئة الأمم المتحدة، التي لا تعترف أيضا بالسيادة المزعومة للنظام العلوي على الأراضي الصحراوية، وهو معطى يعزز أيضا الحق القانوني للصحراويين في الدفاع عن حقوقهم المشروعة.
الكاتب الصحراوي بابا السيد لعروسي لـ”الشروق”:
“العدل الأوروبية” أنصفت الصحراويين وورّطت باريس ومدريد
محكمة العدل الأوروبية، بإلغائها للاتفاقيتين التجاريتين المبرمتين بين المغرب والاتحاد الأوروبي، تكون قد فصلت في مسألة “واضحة” على اعتبار أن اتفاقيتي الصيد البحري والفلاحة المبرمتين بين الاتحاد الأوروبي والمغرب تنتهكان مبادئ تقرير مصير الشعب الصحراوي، رغم ذلك لم تذعن باريس ومدريد لقرار المحكمة، لماذا؟
رغم أن القرار يشكل مرجعية أساسية لأهلية جبهة البوليساريو، ونقطة مفصلية في تاريخ الشعب الصحراوي بتعزيز نضاله من أجل الحرية والاستقلال، إلا أن فرنسا الاستعمارية لم ترضخ لقرارات محكمة العدل الأوروبية خوفا من فشل استثماراتها الاقتصادية التي يسعى ماكرون أن يبسطها على المنطقة المحتلة من الصحراء الغربية، وتأكد ذلك عقب زيارته الأخيرة إلى المغرب.
أما إسبانيا التي تخلت عن مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب الصحراوي باعتبارها القوة المديرة للإقليم يفترض أن تنأى بنفسها عن استعمال القضية الصحراوية في إطار المقايضات البائسة مع المحتل وخضوعها لسياسات الابتزاز المغربية التي أصبحت منهجا معتمدا في سياسة المغرب الخارجية من أجل تحصيل مكاسب غير قانونية، سواء عن طريق التجسس عبر برنامج «بيغاسوس» الصهيوني أو استخدام ورقة الهجرة غير الشرعية.
لماذا “تمردت” فرنسا وإسبانيا على المحكمة، ولماذا هذا الانحراف الفرنسي والإسباني عن روح الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، الذي يفترض سمو القضاء والقانون فيها؟
تمرد فرنسا وإسبانيا على أحكام وقرارات محكمة العدل الأوروبية ليس بالجديد ولا حتى بالمفاجئ، باعتبارهما القوتين الاستعماريتين السابقتين. ورغم أن مسار المؤامرة يتكيف ويتلون بلون المراحل وبنفس اللاعبين، فرنسا وإسبانيا وحتى أمريكا، فقد استعملت هذه الدول جميع الأساليب لحماية مصالحها ولو كلفها ذلك القفز على القانون والشرعية الدولية باستعمال حق الفيتو لصالح المغرب في أروقة الجمعية العامة وفي مجلس الأمن، وتفعيلهم للاتفاقيات الاقتصادية بينها وبين المغرب.
وبالتالي يعتبر هذا القرار أحسن رد على هذه المواقف الأحادية واللامسؤولة التي اتخذتها هذه الدول وخاصة بعد اعترافهم بالسيادة المزعومة للمغرب على الصحراء الغربية. لذا تؤكد أحكام المحكمة بقوة أن قضية الصحراء الغربية هي قضية تصفية استعمار، وأنه لا يوجد حل خارج الاحترام الصارم لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال.
إلى ماذا تمهد هذه الخطوة المتمردة من فرنسا وإسبانيا؟
بما أن هذا القرار يتنافى تماما مع مواقف عدد من الدول الأوروبية التي سارعت في الأشهر القليلة السابقة إلى التعبير عن دعمها للمغامرة الاستعمارية المغربية في الصحراء الغربية، رغم أن الحكم يقول بوضوح سياسي إن قضية الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار، ما تزال مطروحة على أنظار الجمعية العامة الأممية، وأن المغرب الذي تدعمه فرنسا وإسبانيا وأمريكا وغيرهم في هذه المغامرة ظالم ومعتد ومحتل غير شرعي للصحراء الغربية، وبالتالي فإن هذه الدول لا تعدو كونها دولا تدعم الاستعمار والاحتلال، بالضبط كما تفعل بالفلسطينيين وقضيتهم العادلة .
لذلك يعتبر تمرد فرنسا وإسبانيا على قرارات محكمة العدل الأوروبية سببا مباشرا لمزيد من الاحتقان والتوتر والتصعيد داخل المنطقة بدلا من البحث عن إيجاد حلول تحترم القانون وحق الشعوب في الحرية والانعتاق.
ما هو انعكاس ذلك على مسار القضية الصحراوية، وهل نحن أمام حالة مؤكدة أن فرنسا وإسبانيا عقبة حقيقية أمام جهود الأمم المتحدة في التسوية؟
تعتقد فرنسا وإسبانيا أن القضية الصحراوية ومن خلال ما سلف محل مقايضة بين القوى السياسية المتنافسة مما يُظهر بأن هذه القضية أصبح لها ثقلها ووزنها ويحسب لها حسابها في الصراع على السلطة في أي بلد من هذه البلدان التي تدعي احترام القانون والشرعية الدولية.
فرنسا اعتقدت أنها يمكن أن تلعب على الحبلين، ترضي المخزن دون صخب وتمرر الرسالة من تحت الطاولة للجزائر لعلها تبتلعها وتسكت، في الأخير لا هي أرضت المغرب الذي لم يتحمس كعادته لهذا النوع من المواقف ولا الجزائر صمتت. وإسبانيا التي رغم تأييد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز الحكم الذاتي في الرسالة التي وجهها إلى الملك محمد السادس، إلا أنّ الحكومة وبعض الأحزاب والجمعيات تستمر في تأييد حل متفق عليه بين المغرب وجبهة البوليساريو في إطار قرار الأمم المتحدة.
وعليه، فإن كثرة الاقتراحات وأشباه الحلول وعجز الأمم المتحدة عن الوفاء بالتزامها تجاه الشعب الصحراوي في تقرير المصير يظهر الارتباك الحقيقي الذي وقع فيه المجتمع الدولي مما دفع بالشعب الصحراوي إلى الرفع من وتيرة المقاومة والصمود، والتركيز على المعارك القانونية واستثمار الانتصارات، والدبلوماسية من خلال المرافعة عن القضية.