“باك” تغيُّب المتأخرين!
كما كان متوقعا من طرف المتتبعين للحال التربوية والتحولات الاجتماعية الجديدة على المستوى الوطني الشبابي بالخصوص، وكما أوضحت كثيرٌ من النقابات، كان باك “الراطراباج”، باك “الراطاج”، باك الخسارة الكبرى للمال والعرق والأوراق والحبر والصداع على فراغ، فمن أصل 104 ألف مسجل للإعادة، لا أحد في الوزارة كان بإمكانه أن يطبق أمرية الرئيس بحذافرها، لأن الأمرية خصصت الدورة للمقصين المتأخرين فقط، وليس للغائبين أو المطرودين، لكن كيف للوزارة من سبيل لمعرفة من جاء متأخرا ممن لم يحضر أصلا!؟ وبالتالي، اختلط لديها الحابل بالنابل وأدخلت الوزارة في الأرقام كل من “هب ودب”: من لم يحضر ولا ساعة واحدة مع من تأخر دقيقة، وتميعت المسألة، ونخشى أن يكون الباك قد تميع كله ولم يعد له معنى أصلا..
سوف تقول الوزارة إنها ستعطي أمرا بتسجيل أسماء كل المتأخرين مستقبلا لمعرفة من المتأخر ممن هو متغيب وعزف عن الحضور أصلا، لكن هذا سيفتح شهية المتأخرين ليتأخر جلهم ويصبح التوقيت عندنا لا معنى له: تأتي للباك على الثامنة والنصف أو العاشرة.. أو “ما تجيش”، كيف كيف! من الآن، على الوزارة وكل من له سلطة في هذا البلد أن يحترموا الشهادة وألا يضيفوا إليها ميوعة على ميوعة بمسايرة نقابات الأولياء الذين لا همَّ لهم سوى أن يربح ابنهم أو ابنتهم دون اهتمام حتى بما إذا كان ابنهم أو ابنتهم يذهب إلى المدرسة أصلا! هذا باك التقلاش والفشوش والغشوش، لم يعد باك القيمة والقيم والصرامة. وكما هو واضح، “تغيَّب المتأخرون”، وتشكَّل لنا عزف آخر، هو عزوف عن حضور الباك، ربما تمهيدا لكي يعطى لهم الباك بمطالب سياسية، فساد آخر يضاف إلى قائمة أشكال الإفساد التي ننتجها لتطوير منظومة الفساد في الأرض بعد أن تجاوزنا الفساد في السماء! محاربة “الفصاد” التي ننتهجها لمحاربة الفساد، تفرِّخ عناصر جديدة تبدو لنا عادية، لكن الفساد من هنا يفرخ ويتكاثر، لأننا فتحنا المجال أمام إفساد كل النظم عن طريق إقحام السياسة كقيمة أساسية وعنصر مؤثر ومحدد وفاعل في المنظومة التربوية والعلمية.
وهكذا، سنجد أنفسنا مستقبلا قد فقدنا ليس العلم والتعليم والتربية والثقافة والفن والرياضة والصناعة والدين فحسب، بل فقدنا السياسة الأمنية والأمن السياسي وأصبحنا عرضة للتخريب الداخلي والخارجي لأننا أهملنا قيمة العلم والتعليم ورحنا “نحلل” العلم ليصبح محلولا مذابا مائعا مع عناصر أخرى غير علمية، لنصل إلى ما وصل إليه الغراب: فلا هو في سرب الحمام يغرِّد ولا هو مع رهط الغربان ينعق!
الكل يحلم نوما أو بغير نوم، أن يحصل على باك وعلى عمل وعلى مركز، ولكن مع تميُّع التعليم والباك والجامعة وعدم الاهتمام بالتوظيف على أسُس علمية وكفاءة مهنية، فلا جدوى من أن نحلم بتطوُّر مستوى التعليم وبالكفاءة في منظومة تسعى لتفكيك الكفاءة بخلط الأوراق، لربح معركة الاستقرار السياسي المرحلي، فالكل سيعلم أن ما نربح من استقرار مرحلي سيعود علينا بالضرر لاحقا عندما يكبر الدَّمل وتلتهب “الدحاسة” ويظهر عرضُ مرضٍ عضال لا يستقيم مع الأمر إلا بالبتر أو العملية الجراحية المتأخرة التي قد لا تجدي هي الأخرى، فيما كان ممكنا سابقا، لو شخَّصنا المرض في وقته ولم نمعن في استعمال المسكنات والمهدئات التي غطت على المرض حتى وصل إلى هذا “الموصل” من “الميتازطاز” القاتل!
سلامة الوطن.. وسلامته.. أم حسن من العين والحسد!