بحيرة “طنقة” تتنفس تحت أطنان النفايات… ومطالب بالغلق المؤقت
تحولت إحدى أروع المحميات الطبيعية في الجزائر وأهم المناطق الرطبة العالمية، ويتعلق الأمر ببحيرة “طنقة” التابعة للحظيرة الوطنية للقالة بولاية الطارف، إلى مكب مفتوح للنفايات بفعل السلوكيات اللامسؤولة لبعض الزوار، واستنكر نشطاء في مجال البيئة الوضع عقب تداول صور ومنشورات وثقت حجم النفايات البلاستيكية والمخلفات الصلبة، التي خنقت التنوع البيولوجي والغطاء النباتي للبحيرة، وباتت تهدد بالقضاء على الكنز الطبيعي والتاريخي الذي تشتهر به المنطقة.
المحمية المصنفة ضمن قائمة “رامسار” للمناطق الرطبة ذات الأهمية الدولية، أصبحت تدفع ثمن رمي النفايات العشوائي والتسيب الأخلاقي لبعض الوافدين، هذا الواقع المأساوي دفع العديد من الناشطين والجمعيات المختصة في مجال حماية البيئة إلى المطالبة بإجراءات ردعية حازمة وعاجلة لحماية المكان من الاندثار والدمار الشامل.
مقترح الغلق المؤقت لحماية كنز القالة
من جهتها، طالبت جمعية “الدراجة الخضراء” بفرض قرار حاسم يتلخص في “الغلق المؤقت” لمحمية “طنقة” أمام الزوار والمصطافين، وأكدت الجمعية أن الهدف من هذا المقترح ليس عقاب الزوار أو حرمان المواطنين من حقهم المشروط في التمتع بالطبيعة، بل اعتباره خطوة إستراتيجية اضطرارية لإنقاذ المحمية وإتاحة الفرصة لتنظيفها بالكامل، وتسييج مناطقها الأكثر حساسية، وتثبيت نظام حراسة حقيقي، وفرض غرامات مالية مشددة على المخالفين لشروط النظافة بالمكان، كما دعت الجمعية إلى تنظيم حملة تنظيف واسعة بعد غلقها، مع تطبيق قوانين صارمة ضد كل من يعبث بالبيئة أو يلوث المحيط الطبيعي.
وداد ليشاني: جريمة بيئية يجب معاقبة مرتكبيها قانونيا
وكشف ممثل لجمعية “الدراجة الخضراء” إن ما شهدته بحيرة “طنقة” مؤخرا يعكس خللا عميقا في ثقافة التعامل مع المساحات الطبيعية العذراء، وهذا يدفع بحسب ذات المتحدث إلى الاستعادة، من خلال الغلق المؤقت هو الحل الوحيد المتاح حاليا لمنح الطبيعة استراحة محارب، على حد وصفه، وفرصة لترميم نظامها البيئي المجهد، مشيرا إلى أن الحفاظ على الطبيعة هو واجب جماعي، ولابد من التحرك الصارم من قبل المصالح المعنية لحماية هذا الإرث الطبيعي، بصرامة وتسييج المناطق الحساسة وفرض عقوبات مالية على المتسببين في التلوث البيئي، لتجنب الكوارث الإيكولوجية التي لا يمكن معالجتها لاحقا بعد فوات الأوان، وفقدان مواقع نادرة لا تعوض.
حماية المناطق الرطبة مسؤولية مؤسساتية
وفي هذا السياق، حذرت الدكتورة وداد ليشاني، المختصة في القانون البيئي والناشطة الحقوقية، من استمرار سياسة التهميش، والخطر الذي يهدد هذا الإرث الطبيعي الذي تحميه التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الجزائر.
وأكدت ليشاني أن المناطق الرطبة هي أنظمة بيئية حيوية، ومستودع للتنوع البيولوجي، وذاكرة طبيعية تحفظها الأجيال للأجيال القادمة، قائلة أن السماح بتدهور بعضها أو الاعتداء عليها أو تحويلها إلى مجرد وعاء للاستغلال، أو مكب للنفايات والصرف الصحي والإهمال، يعتبر خسارة كبيرة لجزء من رأس مالنا الطبيعي وحق أبنائنا في بيئة سليمة ونقية.
كما شددت على ضرورة التوقف عن ترك النشطاء في مواجهة الكارثة بمفردهم، قائلة إن المؤسف هو ترك بعض المدافعين عن البيئة وحدهم في مواجهة هذا العبء الثقيل، بينما يفترض أن تكون حماية المناطق الرطبة مسؤولية مؤسساتية، قانونية ومجتمعية شاملة، لا بطولة فردية يدفع ثمنها الناشط من صحته وحياته، مضيفة أن هذه المناطق هي إرث الأجيال وإهمالها والتفريط فيها جريمة حقيقية.
ولفتت ليشاني، إلى إن الحماية القانونية للمناطق الرطبة في التشريع الجزائري وفي المعاهدات الدولية كاتفاقية “رامسار” لا ينبغي أن تظل حبرا على ورق، أو مجرد نصوص جامدة في الجريدة الرسمية، وأننا اليوم بحسب ذات المتحدثة أمام المحك الفعلي لتطبيق القانون البيئي بكل حزم، كما اعتبرت الاعتداء على بحيرة “طنقة” بالردم والتلويث، يرتقي إلى جريمة بيئية صريحة تجب معاقبة مرتكبيها قانونيا، قائلة إن وضع بعض المناطق الرطبة في الجزائر دق ناقوس الخطر، ويستدعي تحركا رسميا عاجلا لسن تشريعات حماية خاصة ومحينة، تترافق مع تفعيل شرطة البيئة واستحداث آليات رقابية ميدانية صارمة تحول النصوص والاتفاقيات المكتوبة إلى حماية فعلية ومستدامة على أرض الواقع.
هبة تطوعية كبرى لتطهير البحيرة
وردا على هذه الاستغاثة والتدهور البيئي المتسارع، أعلنت إدارة الحظيرة الوطنية للقالة، بالتنسيق مع محافظة الغابات لولاية الطارف ومديرية البيئة، عن تنظيم أضخم حملة تطوعية لتنظيف بحيرة “طنقة” وإعادة البريق إليها، وتقام هذه المبادرة البيئية الكبرى يوم الأربعاء 30 سبتمبر، ابتداء من الساعة التاسعة صباحا، تحت شعار: “طبيعتنا مسؤوليتنا جميعا… معا لنحمي جمال القالة”.
وبحسب النداء الرسمي المنشور، جرى تحديد مكان اللقاء بفضاء الراحة بطنقة مقابل موقف السيارات، وتعرف هذه الحملة مشاركة واسعة وغير مسبوقة لمختلف القطاعات والهيئات الرسمية والمحلية، من بينها مديريات الثقافة، إضافة إلى المؤسسة الولائية للنظافة ومؤسسة الردم التقني والديوان المحلي للسياحة، كما انضمت للعملية فعاليات المجتمع المدني والجمعيات البيئية، وفي مقدمتها الكشافة الإسلامية الجزائرية والهلال الأحمر الجزائري، في هبة شعبية ورسمية تعكس الوعي بأهمية الحفاظ على هذا المرفق الطبيعي الخلاب.