بديلنا لمواجهة حرائق الجيل الخامس…
بداية، لا يسعنا في هذا الظرف الأليم الذي تمر به الجزائر سوى الترحم على أرواح شهداء النيران التي مست أكثر من ولاية من ولايات الوطن، ثم الدعوة بالشفاء العاجل للمصابين والشّد على أيدي كافة المواطنين الذين فقدوا بيوتهم أو تضررت ممتلكاتهم الحيوانية والزراعية.. وفي ذات الوقت، لا يسعنا سوى أن نشيد بالهبّة التضامنية للشعب الجزائري في كافة ربوع الوطن وتعاطفه التام مع إخوانه في هذه المناطق كما كان يفعل في كل مرة تُصاب الجزائر فيها بمكروه، كما نحيي فرق الإنقاذ للحماية المدنية التي بذلت كل ما في وسعها لتقديم يد العون للمصابين وكذا الفرق الطبية التي سهرت على علاجهم والسلطات المدنية والعسكرية التي هبّت في وقت قياسي لنجدة المنطقة والسهر على مواجهة هذه الكارثة الوطنية.
ولا نجد في هذا الظرف الأليم سوى محاولة فهم ما الذي حدث من الزاوية التي نهتم بها، وبلا شك، هناك أكثر من زاوية يمكن النظر من خلالها لهذه المأساة باعتبار ما حدث هو من نوع “الأزمة المركّبة” التي تتداخل فيها متغيرات متعددة على شاكلة باقي الظواهر المركّبة التي باتت البشرية تعرفها اليوم على مختلف الأصعدة. وهذا يعني أنه علينا من البداية استبعاد كل محاولة لتفسير ما حدث بالعامل الواحد أو تحميل المسؤولية لجهة واحدة باعتبار هكذا محاولة ستُجانب الصواب وتؤدي بنا إلى تصور حلول مستقبلية غير ملائمة للأزمة التي نعيش.
هذا المنظور يجعلنا نطرح فكرة أن الجزائر باتت اليوم تتعرض لحرائق من الجيل الخامس. في ظرف وجيز وقبل أن تتكيف بلادنا مع الحرائق التقليدية باغتنا هذا النوع من الحرائق، الأعقد والأكثر خطورة على الإطلاق، والذي يتطلب مقاربات استباقية وإطفائية مختلفة تماما عما عرفناه من حرائق سابقة.
حرائق جيل الخامس، كما يصفها المختصون في هذا المجال، هي تلك التي عندما تشتعل تخلق وقودها الخاص ومحيطها الخاص وتتحرك بعشوائية يصعب التنبؤ بمسارها وبسرعة غير مسبوقة في تاريخ الحرائق. الأمر الذي يجعل منها مختلفة تماما عن الحرائق التقليدية التي ينفع معها أسلوب الإطفاء المباشر بالمياه، التي كانت تشتعل بين الحين والآخر في الثلاثين سنة الماضية حتى لا أقول في الخمسين سنة الماضية. والأكثر خطورة في هذا الجيل من الحرائق أنها تستفيد من تراكم الوقود النباتي الميت على مر سنوات لِتحوله في لحظات إلى طاقة انفجارية غير مسبوقة تشبه تلك التي تنطلق من المواد البترولية سريعة الاشتعال تتجاوز حتى طاقة الامتصاص الحراري للمياه! ونتيجة هذا الاشتعال السريع تظهر تلك السحب الركامية النارية التي شاهدناه في سماء غابات جيجل بوضوح ناقلة للنيران عبر الجمر المتطاير الذي يتسبب هو الآخر في إشعال نيران جديدة على مسافة تصل إلى كيلومترات.
إذا أضفنا إلى هذه الخاصية من الجيل الخامس للنيران خاصية ميّزت الجيل الثاني من الحرائق في منتصف ثمانينيات وسبعينيات القرن الماضي نتيجة هجرة الأرياف وتوقف عمليات الرعي التي كانت تقلّل من تراكم الوقود النباتي اليابس، وخاصّية أخرى ميزت الجيل الثالث من النيران نتجت عن تداخل العمران مع الغابة بعشوائية ومن دون أي احتياطات، وخاصّية رابعة تمثلت في ارتفاع درجات الحرارة في شمال البلاد على خلاف العقود السابقة وأنتجت الجيل الرابع من النيران، يتبين لنا أننا أمام أوضاع غير مسبوقة للتعامل مع الغابة والغطاء النباتي في بلادنا سواء استباقيا أو عند اشتعال النيران. وأول ما ينبغي التنبيه له أننا في هذا النوع من الحرائق نحتاج إلى اعتماد سياسة استباقية لكيفية إنقاذ الأرواح أولا من خلال التوعية وتوفير الوسائل قبل اشتعال النيران أو حين اشتعالها، وفي المقام الثاني، نحتاج إلى النظر للغابة من الآن فصاعدا كمنطقة أمنية حسّاسة يمكن استهدافها من قبل الأعداء كما يمكن الضرر بها بطريقة غير مباشرة نتيجة انعدام الوعي وقلة التحسيس.
وفي هذا المستوى، يوجد عمل كبير ينبغي القيام به. وفي المقام الأخير، تحتاج الغابة منّا من الآن فصاعدا إلى نظرة مستقبلية تصوغها فرق متعدد التخصصات لأجل حمايتها، يشارك في هذه الفرق المهندس الفلاحي والمعماري والبيطري والسياسي والإعلامي ورجل الدين والمربي ورجل الأمن ومكونات المجتمع المدني…
بهذا فقط يمكن أن نحوّل الأزمة التي نمر بها اليوم إلى منطلق يدفعنا نحو مواجهة المستقبل بكفاءة ورباطة جأش نحمي بها البلاد والعباد…