منوعات
تتطرق إلى "التابوهات" بأسلوب مبالغ فيه

برامج تلفزيونية وإذاعية تصدم العائلات

الشروق أونلاين
  • 21937
  • 67

تحوَّلت بعض البرامج التلفزيونية التي تتطرق إلى مشاكل الناس وهمومهم إلى ما يشبه القنبلة القادرة على نسف العائلة، وتساهم في انتشار بعض السلوكيات المحظورة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، خاصة وأن كل أفراد العائلة يتجمَّعون حول الشاشة لمتابعة أحداثها، إلى أن يكتشفوا مواضيعها والتي تدور غالبا حول “طابوهات” بالرغم من تسليمنا بوجودها كزنا المحارم والخيانة الزوجية وغيرها من المواضيع الحساسة، إلا أنها تُعدُّ خطا أحمر بالنسبة إلى المشاهد من مختلف الفئات العُمرية لا يجب تجاوزه، حتى لا تصبح أمرا مألوفا في المجتمع ولا تساهم بطريقة عكسية في تشجيع بعض الفتيات على ولوج عالم الفسوق والرذيلة. فضلاً عن أن القراءة عنها بشكل فردي في الجرائد أفضل من مشاهدتها جماعياً من أفراد العائلة في التلفزيون.

تثير التصريحات التي يدلي بها بعض المشاركين في البرامج التلفزيونية والإذاعية والتي يعتقد أنها تساهم في علاج المشاكل الاجتماعية التي يتخبط فيها المواطن، جدلا واسعا وسط المشاهد الجزائري والذي لم يستسغ الجرأة التي يتمتع بها هؤلاء الأشخاص الذين يسردون أدق تفاصيل حياتهم الشخصية على مرأى ومسامع الجمهور والمتابعين، دون مراعاة طبيعة مجتمعاتنا المحافظة والدين الإسلامي والذي يتطلب التكتم على مثل هذه الفضائح ويدعونا إلى الستر حتى لا تشيع الفاحشة بين الناس. 

ومن بين الحصص التي أحدثت جدلا واسعا وانتشرت دعوات إلى مقاطعتها على مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي الحصة الشهيرة “عندي ما نقولك”، وهو برنامجٌ تونسي أسبوعي يحظى بنسبة متابعة كبيرة من قبل الجزائريين، تدور فكرته حول شخص يستدعي آخر أخطأ في حقه ويفصل بينهما ستارٌ ثم يشرح له الحقيقة كاملة والضيف له الحرية في فتح الستار وبدء صفحة جديدة أو إبقائه مقفلا، إلا أن المشاهدين يصدمون في كل مرة بحكاية فتاة اغتصبها والدُها أو أنجبت من خالها أو أحد المحارم، وأمّ سكيرة أو فتاة أخطأت وفقدت شرفها تأتي لتقص تفاصيل “مغامرتها” وتطلب العفو من عائلتها. هذه التجاوزات دفعت ببعض الشبان إلى الدعوة إلى عدم متابعتها حتى لا تنتقل هذه الظواهر من قائمة المحظورات إلى الأفعال العادية.

 ومن البرامج الجزائرية حصة إذاعية تستقبل فيها اتصالات هاتفية من الجنسين يسردون فيها مشاكلهم بدون رقابة  تبث على أمواج إذاعةٍ شبابية حيث يصرح “سيد علي” في الثلاثينات من العمر قائلاً: “لا أصدق قلة الحياء وتراجع القيم التي وصلنا إليها فمرة كنت أقود سيارتي رفقة عائلتي ونستمع إلى هذه الحصة الإذاعية، وإذا بفتاة قاصر تتصل وتحكي كيف كانت تهرب من المؤسسة التعليمية لتقابل صديقها والذي لم يكن سوى أحد الباعة ووقعت في المحظور، فأطفأت جهاز الراديو مباشرة وسط صمت وذهول كبيرين من قبل والدتي وشقيقاتي، لم أتخيل يوما أن المجتمع الجزائري يصل يوما إلى مثل هذه الدرجة من التفسخ والانحلال”. 

أما  السيدة “سليمة” فترى أن مثل هذه الحصص مفيدة للكبار فيستفيدون من تجارب وأخطاء الآخرين، ومع أنها تكون مُحرجة في كثير من الأحيان وتزرع الوسواس والشك في نفوس المشاهدين لكن الصدمة تساهم في تعليمه، مستطردة: أنا أتابع كل أسبوع حصة “عندي ما نقولك” وأُصدم من المواضيع التي تطرحها في كل مرة خاصة فيما يتعلق بجرائم زنا المحارم، لكنني أجد حرجا في مشاهدتها رفقة زوجي وبناتي؛ ففي إحدى المرات كنا نتابع حلقة وفيها شاب تم تبنيه يبحث عن والدته وبعدها اكتشف أن خال والدته هو من اغتصبها فأحرجنا كثيرا، حتى إن زوجي صار يمنع بناتي من زيارة عائلته خشية أن يصيبهن أي مكروه. وفي كل مرة أحاول التقليل من شكوكه يردُّ بأن الحذر واجب ومطلوب.

  في حين يجد مختص في علم الاجتماع أن هذه البرامج رغم ما تقدمه من مظاهر تسامح واندماج بين الناس لكنها لا تساهم في علاج الظاهرة بل تكتفي بتسليط الضوء عليها دون تقديم  حلول للتخفيف منها أو القضاء عليها، مردفا أن المشاهدة والتأثر بالنسبة إلى الفتيات المراهقات واللواتي هن أقل وعيا خطير جدا، فهن يرين في الأمر صورة مشجعة للدخول في علاقات محرّمة دينيا واجتماعيا واكتساب قوة المواجهة بالخطإ أيضا، وهو ما يظهر جليا في سلوكيات وثياب بنات الجيل الحالي، لذا من الضروري على الآباء التدقيق فيما يتابعه أبناؤهم.     

ومن الناحية النفسية ذكرت لنا النفسانية “وردة بوقاسي” أن الأشخاص الذين يقصُّون حكاياتهم يبحثون عن مستمِع، أما بالنسبة إلى المشاهد البالغ والراشد فيستفيد من تجارب الآخرين، فعندما يجد من يعيش الأسوأ منه يرَ نفسه أحسن بكثير، فما يقوم به المشارك هو تفريغ انفعالي مفيد جدا له يسمح له بالتعبير عن الصدمات والحزن، والتعبير مفيد له فيعتبر نفسه مهما لأن الناس يستمعون إليه ويشاهدونه وهذا ما يفتقده، فحياتُنا اليومية ومتطلباتها وتعقيداتها جعلت الناس لا يستمعون إلى مشاكل الغير، لذلك يشعر الفرد بالوحدة؛ ففي تلك الأجواء يجد من يحس به وهو مطلب مهم من الناحية النفسية والتواصل الاجتماعي والذي تغير اليوم كثيرا وهذا يرجع إلى تغير الذهنيات والأفكار في المجتمع الجزائري.

مقالات ذات صلة