الجزائر
بين الفرار من حر الصيف والاقتصاد في التكاليف

برباقة وتوشنت وتينيباوين… وديان ومنابع تستهوي سكان الأوراس

الطاهر حليسي
  • 212
  • 0
ح.م

مع اشتداد موجة الحرّ التي تعرفها ولاية باتنة، خلال هذه الأيام، لم تعد العائلات تبحث فقط عن مكيفات الهواء والمراوح للتخفيف من وطأة القيظ، بل باتت منابع المياه والعيون الطبيعية ملاذاً صيفياً بديلاً، يجمع بين الانتعاش ومتعة الطبيعة.
وفي عدد من مناطق الأوراس، تتحول هذه المواقع مع ارتفاع درجات الحرارة إلى وجهات يقصدها السكان فراراً من حرارة المدن، حيث تمتد الرحلات العائلية منذ الصباح الباكر، محملة بالطعام والقهوة والشاي وأدوات النزهة، بحثاً عن يوم مختلف بين الأشجار والمشروبات المحفوظة في المبردات المحمولة.

على آثار كباليتي
في وادي الطاقة، شرق الولاية، والتابعة إقليميا لبلدية ثنية العابد، يختار بعض المغامرين منبع برباقة، حيث لا تقتصر الرحلة بالنسبة إليهم على البحث عن البرودة، وإنما تتحول إلى مغامرة وسط الطبيعة.
يقول كريم صمادي، وهو أحد الشبان الذين اعتادوا زيارة المكان: «نحن لا نأتي إلى برباقة فقط هرباً من الحر، بل لأن الوصول إلى المنبع نفسه جزء من المتعة. الطريق والطبيعة والماء البارد تجعل الرحلة تستحق التعب».
ويضيف رفيقه سعيد مزياني: «عندما تكون درجة الحرارة مرتفعة في المدن، نشعر وكأننا ننتقل إلى عالم آخر بمجرد وصولنا إلى المنبع الذي يحمل شهرة تاريخية، فمنه انطلق باتيس كباليتي الإيطالي في تشييد أول طاحونة مائية بدايات القرن العشرين، حينما استوطن المنطقة، ونسبت إليه واحدة من أكبر المغارات الرطبة في العالم، والذي كان له الفضل في اكتشافها، وتعرف بمسمى مغارة كباليتي”.
أما عائلات أخرى، فتفضل عين الشرشار الواقعة بين تزوكت وأريس، وتاقصريت على الطريق الرابط بين باتنة وثنية العابد، باعتبارهما فضاءين يجمعان بين متعة الرحلة والاستراحة في الطبيعة.
وتقول زينب وهي أم لثلاثة أطفال جاءت رفقة عائلتها: «أصبحنا ننتظر أيام الحر حتى نخرج إلى هنا. الأطفال يستمتعون بالماء والطبيعة، ونحن نرتاح بعيداً عن ضجيج المدينة وحرارتها».
ويقول زوجها: الرحلة نفسها أصبحت جزءاً من المتعة، نتوقف في الطريق، نأخذ معنا بعض المؤونة، ونقضي ساعات طويلة في الهواء الطلق، وفي المساء تناول سفافيد الشواء في منطقة أيقلمامن قبل أن نعود بتنكات مياه معبأة من منبع تاقصريت المقصود”.
يفضل الزوار ركن سياراتهم على جنبات الطريق الوطني رقم 31 الرابط بين باتنة وبسكرة عبر آريس، ثم النزول مشيا على الأقدام حيث تتدفق منابع المياه، الذي يسمع تدفقها تحت الأرضي، نظرا لعبورها في مسارات صخرية، تجعلها أكثر نقاوة، ليتم شربها أو تعميرها في تنكات، فيما يفضل كبار السن إلقاء أقدامهم في جداول تشكلها المياه النابعة فوق المسار الهضبي، الذي يصير محشرا كبيرا بين وقت العصر والمغرب خصوصا.

تين شوكي وشلال
وفي عين تينيباوين، في غرب الولاية وهي تابعة لبلدية تاكسلانت دائرة أولاد سي سليمان الشهيرة ببساتين المشمش، يبدو المشهد أكثر حيوية، إذ تقصدها مجموعات بحثاً عن مكان هادئ يسمح للأطفال باللعب، وللكبار بالاسترخاء تحت ظلال أشجار المشمش وتناول حبات من التين الشوكي الباردة، حيث ينتشر في العادة أطفال يبيعونها مستفيدين من تدفق الزوار وعشاق المياه العذبة، وتقول إحدى الزائرات: «الماء هنا بارد حتى في أشد أيام الصيف حرارة، وهذا ما يجعلنا نعود كل مرة. أصبح المكان بالنسبة لنا موعداً عائلياً وليس مجرد نزهة عابرة، بخاصة وأننا نعمر تنكات من مياه المنبع الشهيرة بطلب من الجيران والأصدقاء”.
ولا تقتصر هذه الرحلات على العائلات والأفراد، إذ بدأت جمعيات محلية بدورها بتنظيم خرجات نحو منابع المياه، ومن بينها منبع توشنت ببلدية إينوغيسن دائرة أشمول، حيث تتحول النزهة إلى مناسبة جماعية للترويح عن النفس والتعريف بالمواقع الطبيعية. ويقول أحد أعضاء جمعية مشاركة في إحدى الخرجات: «نريد أن نعرّف الناس بهذه الأماكن، فلدينا ثروة طبيعية لا تحتاج إلا إلى الاهتمام والترويج. منبع توشنت مثال على مكان يمكن أن يصبح مقصداً صيفياً مهماً”.
وتضيف عضو أخرى في الجمعية: «الهدف ليس فقط الهروب من الحرارة، وإنما أيضاً تعليم الناس احترام الطبيعة. عندما نأتي إلى هذه المواقع، نحرص على جمع النفايات وترك المكان نظيفاً كما وجدناه، والاستمتاع بالشلالات المنهمرة، طبعا باحترام تقاليد المنطقة وعدم إتلاف البساتين، فبعض الزوار يعتدون على ملكيات الفلاحين ويتركون الأوساخ وراءهم وطبعا فهذه التصرفات غير اللائقة تثير حفيظة الملاك وهم على حق”.
وبين مغامرين يفضلون برباقة، وعائلات تختار عين الشرشار وتاقصريت وتينيباوين، وجمعيات تتجه نحو توشنت، يبدو أن منابع المياه في الأوراس تستعيد دوراً قديماً في حياة السكان، بعدما تحولت خلال الصيف إلى وجهات طبيعية تقاوم قيظ المدن بوسائل بسيطة: ماء بارد، ظل الأشجار، هواء نقي، وفسحة قصيرة بعيداً عن الإسمنت والحرارة.
لكن الإقبال المتزايد على هذه المواقع يطرح في المقابل مسؤولية الحفاظ عليها، فكلما ارتفع عدد الزوار، ازدادت الحاجة إلى حماية منابع المياه من التلوث، وتنظيم أماكن النزهة، ومنع رمي النفايات، حتى تبقى هذه العيون ملاذاً صيفياً للأجيال المقبلة، لا مجرد وجهة موسمية تنتهي جاذبيتها بمجرد أن تفقد طبيعته.

دوافع اقتصادية
والأهم من كل ما سلف، هو إطالة ديمومتها، ففي كثير من الأحيان تعد هذه الوجهات متنفسا للعاجزين عن قضاء عطلة في الساحل شمال البلاد، وبديلا عن مشاق قطع مئات الكيلومترات من أجل نسائم البحر، وفي هذا الصدد يقول سامي بن عقون مسير جمعية سياحية محلية: “لا يتطلب زيارة هذه المناطق ميزانية كبيرة، مقارنة برحلة أسرية لمدن الساحل، حيث يتطلب الأمر كراء شقة لا تقل عن 3500 و4000 دينار جزائري لليوم، يمكن هذا المبلغ قضاء يوم مصنف في خانة الخمسة نجوم، بين خرير المياه، سواء باقتناء وجبات باردة أم تحضيرها في البيت، أم شرائها من المطاعم المنتشرة في الطريق، كل ذلك عند حافة وديان ومنابع تحت الظل ودون التعرض لمشاق التعرض للحرارة أو عنت حمل الأغراض للشواطئ، والأهم أن الأطفال سيتمتعون بالسباحة أو اللعب في المياه، وبالنسبة لهؤلاء فمياه الوادي والبحر سيان”.

مقالات ذات صلة