برلمان فرنسا يثبت عدم الجدية في معالجة ملف الذاكرة
قلّلت النسخة التي صادقت عليها الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة السفلى للبرلمان) من القانون الإطار، المتعلق باستعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية في الفترة ما بين 1830 و1962، من فرص حدوث تقارب مع الجزائر، بعدما تمكن اللوبي المهووس بالفكر الاستعماري، من تقييد هذا القانون بنصوص تحول دون استعادة الجزائر بعض الممتلكات التي سرقها جيش الاحتلال الفرنسي.
ولا يشمل القانون الذي تمت المصادقة عليه الاثنين 13 أفريل الجاري، أيّا من القطع ذات الدلالة الرمزية العالية، مثل سيف الأمير عبد القادر، بطل المقاومة الجزائرية، أو مدفع بابا مرزوق، المعروف أيضا باسم “القنصلية”، الذي صودر منه أثناء غزو الجزائر عام 1830 والمعروض حاليا في ميناء بريست، وفق ما أوردته صحيفة “لوموند” الفرنسية في عدد الأربعاء.
المؤرخ قيطوني: مبررات فرنسا واهية وهي مدركة لذلك
بالمقابل، يمكن استرداد قطع أخرى، مثل قفطان الأمير ومخطوطاته وراياته ومفتاح مدينة الأغواط، وهي قطع تنطوي على قدر من الأهمية، إلا أن تأثيرها على تهدئة حروب الذاكرة مع الجزائر يبقى مستبعدا في ظل استمرار تعنت الطرف الفرنسي في إيجاد حل نهائي وجذري لملف الذاكرة الذي لا يزال يلقي بظلاله على العلاقات الثنائية.
ويتجاهل النص مجموعات كاملة من المسروقات التي نهبت من الجزائر، على غرار تلك التي تعرضت “للاستيلاء غير المشروع”، حيث ينص القانون على إجراءات شديدة التنظيم لرفع الحماية على الممتلكات التي تنتمي إلى “الملكية العامة”، وفق الصحيفة الفرنسية، والتي نقلت معلومات مفادها أن المنهوبات الجزائرية الموجودة في متحف “كوندي” في شانتيي، مستثناة من أي تسليم ممكن، لاعتبارات قانونية تبقى غير مقنعة بالنسبة للطرف الجزائري.
وفي العام 1843، أقدم جيش الاحتلال الفرنسي على نهب خيمة الأمير عبد القادر، التي كانت تضم مكتبة كاملة تضم 37 مخطوطة، وخمسة سيوف، ومدفعان من البندقية، وثلاث بنادق، ومسدسان، وخنجر، وأحذية ومهاميز، وحقائب مطرزة بالذهب، ومجوهرات، وصناديق، ومنسوجات.
والسبب الذي يحول دون استعادة الجزائر لما نهب من ممتلكاتها وفق القانون الجديد، راجع إلى استثناء الممتلكات العسكرية من العملية، وفق منطق الغاب “غنائم الحرب لا يمكن اعتبارها غير مشروعة”.
وينطبق هذا، على سبيل المثال، على 38 مدفعا برونزيا تم الاستيلاء عليها أثناء غزو الجزائر العاصمة، بعضها يزين مدخل متحف “إنفاليد” في باريس وسبع قطع مدفعية (أربعة مدافع وثلاثة مدافع هاوتزر) من غزو تلمسان عام 1842 معظمها من العهد العثماني. كما تم استثناء سيف الأمير عبد القادر، ومدفع بابا مرزوق الذي أعدم به القنصل الفرنسي، جان لو فاشر، عام 1683، ما يؤشر على النزعة الاستعمارية للجهات التي سنت هذا القانون.
ويرى حسني قيطوني، الباحث في التاريخ الاستعماري، بجامعة “إيستر” البريطانية، أن المبررات التي ساقها الجانب الفرنسي من أجل استثناء بعض المنهوبات الجزائرية استنادا إلى القانون الإطار المصادق عليه، تبقى غير مؤسسة من الناحية القانونية، لأن ما قام به الجيش الفرنسي الاستعماري، عملية سرقة ونهب لممتلكات ومقدرات شعب أعزل.
وقال قيطوني لـ”الشروق”، إن “من كان ينهب ويسرق أصلا هو الجيش الفرنسي، كما أن الضحايا هم الشعب الجزائري، وقد سنّ القانون بعناية حتى لا تتمكن الجزائر من استعادة ممتلكاتها المنهوبة”.
وأوضح المتحدث أن “ثلث المسروقات راحت للجنود الفرنسيين وفق ترتيبات داخلية، في حين قام الجنود وضباط جيش الاحتلال بإعادة بيعها في الأسواق للتجار ورجال المال والأعمال”.
ورفض المؤرخ اعتبار الفرنسيين تلك المنهوبات هي “غنائم حرب”، لأن الحرب لم تكن بين جيش نظامي وآخر، وإنما كانت بين الجيش الفرنسي والشعب الجزائري الأعزل، ومن ثمّ، فالعملية باطلة من ناحية القانون الدولي، طالما أن هناك دولة في جهة وشعب في جهة أخرى، مشيرا إلى أن الجيش الفرنسي في عهد نابليون الثالث كان يسرق ويضع المنهوبات في المتاحف الفرنسية، ولذلك تبقى المبررات الحالية غير ذات قيمة، وما بنود القانون الجديد سوى محاولة لرفض تسليم تلك المسروقات.
ولفت المؤرخ إلى أن فرنسا تعمدت ثغرة في القانون لأجل الحيلولة دون تسليم ما سرقه الجيش الاستعماري، وذلك بالرغم من أنها على “تمام الإدراك بأننا لا نستطيع تطبيق القانون الدولي على حرب غير قانونية أصلا”، يقول حسني قيطوني.