برودة مفاجئة تفتح موسم الأمراض وعدّاد الاختناقات بالغاز
سجلت مصالح الأرصاد الجوية عبر عديد ولايات الوطن، لاسيما بشرق البلاد، انخفاضا مفاجئا في درجة الحرارة، حيث انتقلنا مباشرة من حرارة صيفية إلى برودة شتوية فرضت منطقها على الجزائريين، وفرضت عليهم تشغيل التدفئة التي تعني أيضا الاستعداد لإحصاء ضحايا الاختناقات بالغاز المحروق في موسم جديد يرافق فترة البرودة، والتي تعني أيضا بداية التعامل مع الأمراض والتشافي منها.
هذا الانخفاض في درجة الحرارة لم يكن متوقعا، بالنظر إلى ما اعتاد عليه الجزائريون في السنوات الأخيرة التي تميزت باستمرار الحر لأشهر إضافية تلي فصل الصيف الذي امتدت فترته لوقت إضافي. ومع تغير الطقس سارع الناس إلى إخراج ملابس الشتاء والتكيف مع الوضع الجديد، الذي يعني إعادة تشغيل التدفئة وما يرافق ذلك من مخاطر تصنعها قصبة تصريف الدخان التي تحولت إلى أداة لإزهاق الأرواح. فموجة برد ترافقها موجة من حبس الأنفاس والجثث المختنقة في غيابات الظلام وأحيانا في وضح النهار. والحكاية تبدأ عند إشعال المدفأة بدون تفقد أجزائها ولواحقها وبدون مراقبة لمسار غاز أحادي الكربون، الذي اشتهر بانعدام ثلاثية الطعم والرائحة واللون، يضاف إليها انعدام الرحمة عند بلوغ الصدور.
ضحايا الأمس.. عبرة اليوم
الظاهرة استفحلت في السنوات الأخيرة وسجلنا معها حوادث مأساوية رسخها هذا الغاز في الأذهان، نذكر منها ما حدث في مطلع السنة الماضية، وبالضبط بتاريخ 9 جانفي 2023 أين أباد الغاز عائلة كاملة مكونة من 6 أفراد، وكان ذلك بحي شرشورة ببلدية عين ولمان جنوب ولاية سطيف، وهي أكبر حصيلة عائلية سجلت بعاصمة الهضاب، وقد فارق الضحايا الست الحياة دون أن يشعر بهم أحد، لتُكتشف جثثهم داخل المنزل بعد مرور 3 أيام واضطر أعوان الحماية المدنية الى كسر الباب والصعود الى الطابق العلوي، أين كانت الجثث ملقاة في منظر مفزع، حيث عثر رجال الحماية المدنية على 6 جثث كاملة موزعة على غرف المنزل، ويتعلق الأمر بكل من الأب سراي عبد المجيد البالغ من العمر 60 سنة، والأم بن نعيجة نورة البالغة من العمر 55 سنة، والابن هشام 33 سنة، والابن الثاني يونس البالغ من العمر 26 سنة، والبنت سلسبيل البالغة من العمر 15 سنة، وسندس البالغة من العمر 22 سنة، فارقوا الحياة جميعا بدون أن يعلم أحد من توفي قبل الآخر.
وحسب النقيب احمد لعمامرة رئيس خلية الاتصال بمديرية الحماية المدنية لولاية سطيف، في تصريح لـ”الشروق”، فإن ذلك الحادث المأساوي الذي يعد من بين أكبر حوادث الغاز من حيث عدد الضحايا، وسببه استنشاق غاز أحادي الكربون المنبعث من قصبة المدفأة الثانية التي كانت متواجدة في بهو المنزل، والتي كان بها انسداد واضح غيّر مسار الغاز المحروق الذي تسرب إلى باقي الغرف.
وقد تزامن الحادث يومها مع وفاة 9 أفراد من عائلة واحدة ببوسعادة ولاية المسيلة المجاورة، فارقوا الحياة في نفس الظروف. وقبل الحادثتين شهدت ولاية سطيف كذلك حصيلة مروّعة بعدما هزت الفاجعة منطقة معفر في بلدية صالح باي، وخلفت حيرة وسط عائلة فقدت 6 أفراد جملة واحدة، ويتعلق الأمر بالأب وزوجته وابنتيه وحفيدتيه، الذين فارقوا الحياة بسبب الغاز المنبعث من المدفأة وكادت الحصيلة أن تكون أكثر لولا تمكن أفراد العائلة من إنقاذ حفيدين آخرين.
منازل جديدة.. اختناقات جديدة
تحولت حوادث الاختناق بغاز الكربون الى مأساة طالت حتى العرسان الجدد، بعد تسجيل عدة حالات ذهبت ضحيتها عائلات جديدة فارقت الحياة بمجرد أن نزلت بمساكنها الجديدة، ليتحول بذلك الموقد إلى آلة لقتل العرسان الذين لم يتمتعوا بحياتهم الزوجية، فذهبوا في صمت وخلفوا وراءهم مآس حقيقية حدثت في السابق وتكررت، ويبدو أنها لن تتوقف مادام الخلل يلاحق أجهزة التدفئة ولواحقها.
وبما أن قطاع السكن قد انتعش عبر الوطن في الآونة الأخيرة بتوزيع العديد من السكنات بمختلف أنماطها، فذلك يعني تشغيل المدفأة لأول مرة، وهي خطوة محفوفة بالمخاطر تهدد خاصة المنتقلين من الأحياء الهشة والقصديرية، وكذلك الذي لم يعتادوا على التعامل مع الغاز الطبيعي والمدخنة المشتركة في العمارات، خاصة في تلك السكنات التي ظلت مغلقة لعدة سنوات، وفي غالب الأحيان تكون هذه المدخنات مسدودة بمختلف المواد بما فيها أعشاش الطيور التي تحبس الدخان ومعه الأنفاس. فمثل هذه الحوادث تتكرر مع العائلات القاطنة حديثا في شقق جديدة لا تخضع مدخناتها للمراقبة والصيانة لتكون نتائج بعدها وخيمة ومأساوية.
وذكر الملازم كريم بن حفصي المكلف بالإعلام بالمديرية العامة للحماية المدنية، في تصريحات إعلامية، أن العائلات الجزائرية تستغني عن الموقد مع بداية الصيف، والذي يبقى خارج الخدمة لمدة أشهر، ليعود إلى النشاط مع بداية موسم البرد، وهو الاستئناف الذي يتطلب صيانة ومراقبة المدفأة وسخان الماء وأنابيب تسريح الدخان التي يمكن أن تكون عرضة للانسداد لأسباب عدة، منها أعشاش الطيور أو أشياء أخرى، الأمر الذي يتطلب أخذ الحيطة والحذر وتقدير هذا الخطر، الذي تظهر فظاعته من خلال الأرقام المسجلة سابقا.
ففي الشتاء الأخير، يقول الملازم، أحصت المديرية العامة للحماية المدنية 2532 شخص تم إنقاذهم من الاختناق بأحادي غاز الكربون في أماكن مغلقة سواء داخل المنازل أو المستودعات، وهو الغاز الذي لا يمكن التفطن له ولا الإحساس به، وتكفيه 7 دقائق لإحداث الاختناق في مكان مغلق. وقد تسبب حسب المصدر ذاته، في الشتاء الماضي في وفاة 136 شخص. ولذلك وجب التحسيس بأخطار غاز أحادي الكربون وغرس الوعي الوقائي الذي يحمي العائلات من هذا الخطر، ويكون ذلك عبر المؤسسات التربوية والمساجد، بالإضافة إلى زيارات ميدانية للبيوت بالاشتراك مع شركة سونلغاز ومصالح التجارة.
كل النزلات تعزز وجهة الأطباء والصيادلة
موسم البرودة يعني أيضا بداية انتشار الأمراض في مقدمتها الانفلونزا الموسمية والسعال وآلام الحلق، وما يرافقها من أمراض لها علاقة مع انخفاض درجة الحرارة. وحسب المختصين فإنه موسم الأمراض ونشاط الفيروسات المرتبطة بالأنفلونزا الموسمية، التي ظهرت آثارها خاصة بمنطقة الهضاب العليا المعروفة ببرودة الطقس. وعادت معها مظاهر الحمى والسيلان وآلام الحلق والرأس والإرهاق البدني، معلنة بدء فصل جديد وجولة جديدة مع الأمراض الموسمية.
والخوف ينتاب الناس خاصة مع كثرة السعال والعطس في الأماكن العمومية بسبب موجة البرد التي خلفت حالة من الهلع، ونشطت الحركة باتجاه العيادات الطبية التي تعرف انتعاشا هذه الأيام وسط صعوبة في التحكم في إجراءات الوقاية التي تراجعت بشكل ملحوظ، مع تخلي البعض على نظام المواعيد لتستعيد قاعات الانتظار بالعيادات حيويتها.
ووجد البعض صعوبة في الوصول إلى أطبائهم، لأن العيادات الخاصة تعرف ضغطا يوميا مع تزايد عدد الوافدين عليها. وهو الوضع نفسه في الصيدليات التي انتعشت هي الأخرى مع تزايد الطلب على الأدوية بمختلف أنواعها، سواء بالوصفات الطبية أو بدونها. وحسب الدكتور حسان عساسي وهو طبيب من ولاية سطيف، فإن الأنفلونزا تنشر بقوة، خاصة عند الأطفال، وهي معدية وقد تكون قوية إذا لم نسرع في علاجها مباشرة بعد ظهور أعراض الحمى والإسهال والسعال، حيث يفضل التوجه إلى الطبيب للتشخيص، ومعرفة نوعية الفيروسات التي تختلف من مرض إلى آخر، وعدم التسرع في اقتناء المضادات .
وينصح الدكتور باللجوء إلى العلاج الطبيعي والميكروبيولوجي، والعلاج بالأعشاب الطبيعية التي لها فعالية كبيرة. ويلح الدكتور في تصريح للشروق على ضرورة الابتعاد عن السكر الأبيض، والمشروبات الغازية التي تقلل المناعة، وهي مواد سامة ومضرة مع مرور الوقت .
هذا هو حالنا مع موجة البرد التي راوغت الجميع، ودخلت على الخط بدون سابق إنذار، وتتطلب حاليا رد فعل لا يخرج من مظلة الوقاية سواء تعلق الأمر بالتفطن لوضعية المدفأة والمدخنة وسخان الماء أو للأمراض التي ترافق البرد، وفي الحالتين الوقاية أفضل بكثير من الإهمال والاستهزاء.