بطانيات وأكياس السميد وبطاقات تشفير “الجزيرة” لإرشاء الناخبين
طغت “الرشاوى” الانتخابية على البرامج والسياسات الحزبية في الحملة الانتخابية لتشريعيات العاشر ماي الجاري، وانخرط أصحاب “الشكارة” في عمليات شراء ذمم الناخبين، مستغلين ظروف الجزائريين في التأثير عليهم من أجل كسب أصواتهم.
“الشكارة” تم توظيفها في بداية الأمر من أجل الحصول على موقع مريح في قوائم المترشحين، وهي الظاهرة التي لم تنكرها كافة الأحزاب المشاركة في الانتخابات، بل إنها اعتبرتها مظهرا من مظاهر التعاطي السياسي، ومع ذلك بقيت السلطات المخولة تتفرج على هذا المشهد “الوسخ”، بشكل أعطى الانطباع وكأنها منشغلة بتحقيق نسبة مشاركة مقبولة.
ولأن منطق اللاّ قانون صار مألوفا ومقبولا، فقد تمادى المتطفلون على السياسة بأموالهم، في خرقهم للقانون العضوي للانتخابات.. أحد المقاولين الكبار لم يجد من وسيلة لاستمالة الناخبين، سوى توزيع بطاقات تشفير قناة “الجزيرة الرياضية”، في حين عمد أحد الأثرياء إلى توظيف ماكينات الأشغال العمومية في تأهيل وتعبيد الطرقات المتدهورة، بإحدى كبرى مدن شرق البلاد.
وما دام أن العهدة البرلمانية أصبحت مرادفا للمال والجاه والنفوذ، وحتى الحصانة، من التعرض للمتابعة القضائية ولو تورط في نهب أموال البترول بكاملها، فقد اجتهد البعض الآخر في اكتشاف المزيد من الحيل، منها تنظيم حفلات زواج جماعي، لكن الأغرب في كل هذا هو ما جادت به قريحة أحد المرشحين بغرب البلاد، وهو توزيع “البطانيات”، في حيلة مزدوجة المكر، لأن تجارة هذه السلعة لم تعد مربحة مع حلول فصل الصيف، وبالمقابل يتظاهر بأنه قام بفعل خيري.
ضيق آفاق مترشحين آخرين دفعهم لشراء ذمم الفقراء والغلابى من الناخبين بكيلوغرامين (فقط) من البطاطا، وهو حال احدهم الذي شحن عربة لنقل البضائع (باشي) بكميات من هذه السلعة، التي صارت أسعارها تضاهي هذه الأيام سعر التفاح.
أما “الرشوة” المعهودة من قبيل “القهاوي راهم خالصين”، وتقديم بعض المواد الغذائية (الزيت، السميد، والسكر…)، فقد أصبحت القاسم المشترك في كافة الحملات الانتخابية السابقة والحالية. أحد السياسيين الذي لا يملك من “الشكارة” لمجاراة غرمائه، لم يجد ما يخاطب به الناخبين سوى قوله: “خذوا ما وقع بين أيديكم، لأن هذه الأموال هي أموال الشعب التي سرقت في عشرية الدم والدموع، لكن حكموا ضميركم يوم الانتخاب”.
لكن، ما موقع هذه الممارسات من القانون العضوي المتعلق بالانتخابات، المنظم لمواقف وسلوكات المترشحين أثناء الحملة الانتخابية؟
اللافت في الأمر أن الممارسات السالف ذكرها، ممنوعة بقوة القانون، ومع ذلك لم تحرك السلطات المخولة ساكنا، وهو ما تعبر عنه المادة 196، التي تنص على: “يمنع استعمال الممتلكات والوسائل التابعة لشخص معنوي خاص أو عمومي، أو مؤسسة أو هيئة عمومية، إلا إذا نصت الأحكام التشريعية صراحة على خلاف ذلك”.
وواضح من نص المادة أن المترشح حرا كان أو متحزبا، ممنوع أثناء الحملة الانتخابية من توظيف أمواله السائلة، الثابتة أو المنقولة، حتى ولو كان ذلك في سياق خدمة للصالح العام، بحسب رئيس لجنة الشؤون القانونية والحريات بالمجلس الشعبي الوطني سابقا، محمد كناي.
ويؤكد القانوني أن علة المنع هنا هي تفادي التأثير على الناخبين يوم الاقتراع، فضلا عن أن اللجوء إلى مثل هذه الممارسات من شأنه أن يخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين.