العالم

بعد 365 يوما من حرب الإبادة.. كلمات ومشاهد لا يجب أن تُنسى

الشروق أونلاين
  • 690
  • 0

365 يوما مرت والغزاويون يعيشون عدوانا غاشما هو الأكبر والأشرس على مر عقود، في حرب غير متكافئة القوى، أسفرت لحد كتابة هذه الأسطر  عن استشهاد ما يفوق 52 ألف شهيد ومفقود، بينهم نحو 17 ألف طفل.

طوفان الأقصى، ذلك المصطلح الذي اختارته كتائب القسام ليوم الـ7 من أكتوبر 2023، والذي يجزم المحللون والمتتبعون للوضع السياسي أنه سيكون لا محالة علامة فارقة في تاريخ الصراع الفلسطيني الصهيوني.

ولأن أحداث هذه الحرب الطاحنة كان لها أثر كبير على كل من تابعها، بقيت عديد المشاهد والجمل المتناقلة محفورة في الأذهان من شدة هولها وبشاعتها.

فمن منا لا يتذكر قصة يوسف الحلو صاحب الشعر الكيرلي، أو “روح الروح” أو جملة “يا زلمة مالك كلنا مشاريع شهداء”  “هيدي أمي بعرفها من شعرها” .. “ولعت” وغيرها وغيرها الكثير من الكلمات والجمل التي ستبقى خالدة في أذهان الإنسانية جمعاء.

وفي هذا الموضوع سنحاول استحضار بعض المشاهد والكلمات التي تعكس وحشية وبشاعة حرب الإبادة على سكان القطاع برمته.

1- “الولاد ماتو بدون ما ياكلو”

في العاشر من أكتوبر الماضي، ظهر مقطع لسيدة فلسطينية بساحة أحد مستشفيات غزة، وقلبها فارغ إلا من صور أبنائها الذين استشهدوا في قصف إسرائيلي بصواريخ تزن الأطنان.

بدت الأم تمشي على غير هدى وهي تنظر إلى الفراغ وتخاطب الفراغ “الولد اختفى من بين أيديا ومات، الأولاد وين؟ حدا يطمني على الأولاد”.
وما سيخلد في ذاكرة كل من شاهد الفيديو تلك الصرخة المؤلمة التي صاحت بها الأم المكلومة قائلة “الأولاد ماتوا من دون ما ياكلوا، يشهد علي الله الأولاد ماتوا من دون ما ياكلوا، يشهد علي الله الأولاد ماتوا من دون ما ياكلوا”.

2-” يوسف، شعره كيرلي، وأبيضاني وحلو”

اسمه يوسف، وعمره لم يتجاوز 7 سنوات، جمع أسرته في صباح 15 أكتوبر 2023 وطلب منهم حضنا أسريا جماعيا لم يكن يعتقد لا هو ولا والداه أنه سيكون الحضن الأخير.
أبوه يشتغل طبيبا، ومنذ اندلاع حرب إبادة غزة كان يقضي كل الوقت داخل المستشفى في خدمة ضحايا القصف الإسرائيلي العنيف المستمر.

في ذلك اليوم الحزين، دخل الأب إلى المستشفى ليبحث عن ابنه وعن أفراد من أسرته قيل إنهم نقلوا إليه بعد القصف، ففهم كل شيء من نظرة زميل له يعرف ابنه.

بحث في كل مكان داخل المستشفى، وبدا وكأنه لا يشعر بمن حوله، وسرعان ما تأكد من وجود ابنه “الأبيضاني الحلو”، في المشرحة وقد استشهد في القصف برفقة أبناء عمه وأفراد من عائلته.

اكتفى الأب بالبكاء وترديد “الحمد لله وحسبنا الله ونعم الوكيل”، أما الأم فكانت تسأل عن مصير ابنها وتدلهم على أوصافه قائلة “يوسف، شعره كيرلي، وأبيضاني وحلو”.

بدت هذه اللوحة الإنسانية مؤلمة حزينة تُبكي من يراها، حيث دخلت الأم في نوبة بكاء حارق وهي تصيح وتطلب ممن حولها أن يتركوها تراه، وكان صراخ شقيقه وبكاؤه يصمّ الآذان، وسيظل صداه يتردد في ذاكرة كل من شاهد الفيديو إلى الأبد.

3- “هي أمي بعرفها من شعرها”

في كل بقاع الدنيا يتعرف الأطفال على أمهاتهم، من خلال وجوههم، وصورهم أو أصواتهم. لكن في غزة الحكاية مختلفة قليلا.

في 22 أكتوبر الماضي، ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لطفلة فلسطينية تصرخ من أعماق قلبها بأنها تعرفت على أمها، وشرعت تطلب من الطاقم الطبي تركها لترى أمها، أو ما بقي منها.

وبرغم المحاولات الحثيثة للطاقم الطبي لثنيها عن ذلك بدعوى أنها ليست أمها وأن الأمر يتعلق بسيدة تشبهها، فإن الطفلة واصلت صراخها وبكاءها الحارق “هي أمي، بعرفها من شعرها”!.

ولم تفتأ الطفلة تصرخ وتبكي أمام خيمة المسعفين “والله ما بقدر أعيش من دونك يما، يما ليش يما”، وتطلب من المسعفين تركها لتلقي نظرة أخيرة على جثمان أمها.

4- “بتنتقمو منا في الأولاد.. معلش”

في 25 أكتوبر 2023، قصف الاحتلال الإسرائيلي بيت مدير مكتب الجزيرة في قطاع غزة، وائل الدحدوح، الذي أصبح يمثل بالنسبة للمشاهد العربي أيقونة الإعلام الجاد والمهني في القطاع المحاصر.

لطالما ألفته الوجوه متحدثا عن شؤون أهل غزة في حياتهم اليومية، سواء تحت الحصار أو تحت القصف، وفي كل تلك الأجواء كان دائما يحرص على إيصال المعلومة الصحيحة المحايدة بغض النظر عن الظروف القاسية في القطاع المحترق.

لكن في يوم مؤلم، قتل الاحتلال زوجته وابنه وابنته بغارة على مخيم النصيرات وسط القطاع. وشاهد العالم كيف ذهب وائل ليحتضن الشهداء ويصلي عليهم، مثلما شاهد كيف عاد لينقل الحقيقة مباشرة بعد المأساة، بعد أن نطق بمقولته الشهيرة “بينتقموا منا في الأولاد؟.. معلش”.

5-  “عمّو أنا زعلانة كتير”

في أواخر أكتوبر ، انتشر مقطع فيديو هز كل من رآه، ظهرت فيه طفلة صغيرة جريحة داخل المستشفى وهي تخاطب المسعف قائلة “عمو أنا زعلانة كتير أنا خايفة على ماما، بدي ماما كتير وتيتة”.

صرخت وبكت وكررت شكواها، والمسعف يحاول علاج جرحها، ولا تكاد تسعفه وسيلة لمداواة جرحها النفسي الذي لن يبرأ أبدا.

يحتضنها الطبيب لكنها لا تأبه لأحد، كل ما يهمها الآن أن يطمئنها أحدهم على أمها، لذلك لم تتوقف عن الصياح باكية “أنا خايفة على ماما وتيتة”.

6- ريم روح الروح

كان اسمها ريم، وعمرها أوقفته صواريخ الاحتلال عند العام الثالث، كانت تعيش حياتها بسعادة مع أخيها طارق كأي طفلة عادية في أي بقعة من العالم. لكن في إحدى ليالي ديسمبر، قصفت قوات الاحتلال بيتهم في قطاع غزة، فانهار على الجميع، وارتقت ريم شهيدة مع أخيها طارق.

نجا جدها وصديقها خالد نبهان (أبو ضياء) من موت محقق برفقة زوجته وعدد من أفراد أسرته، وأنقذ من تحت الركام، ثم سرعان ما ظهر على مقطع فيديو وهو يعانق الشهيدة ريم ويخاطب الناس قائلا “هذه روح الروح”.

7- “ما تعيطش زلمة، كلنا مشاريع شهداء”

لا يكاد أحد يعرف اسمه، لكن صورته وصوته وما قاله كل ذلك محفوظ في ذاكرة من شاهدوا مقطع فيديو ظهر فيه هذا الرجل الفلسطيني الذي فقد ابنه البكر شهيدا في غزة، لكن المأساة أظهرت ثباتا غريبا أثر فيمن رآه.

بدا هذا الرجل الفلسطيني داخل مستشفى بغزة يثبّت ذوي شهداء ويخاطب أحدهم بأن يكون رجلا، ويطلب منه ألا يبكي، فالكل مشاريع شهداء، ويقول له هذا الشهيد الذي تبكيه الآن سيأخذ بيدك غدا ويدخلك إلى الفردوس الأعلى، فالشهيد يشفع في 70 شخصا.

“ما تعيطش يا زلمة” ستبقى صرخة محفورة في الذاكرة، تُثَبّت الجميع وليس فقط ذوي الشهداء.

8- “ولّعت”

اسمه عاهد عدنان أبو ستة، وكان قد ظهر في مقطع فيديو شهير يصرخ “ولّعت” بعد تدميره دبابة إسرائيلية وهو يقفز فرحا: “ولّعت”، في إشارة إلى احتراق الدبابة.

الفيديو نشرته سرايا القدس -الجناح العسكري لـحركة الجهاد الإسلامي– وانتشر انتشار النار في الهشيم، وأصبح من علامات حرب إبادة غزة.

وفي أحد أيام يناير الماضي، نقلت بعض مواقع التواصل نبأ استشهاد عاهد بعد قصف الاحتلال مجموعة من الأهالي قرب مسجد فلسطين بمعسكر خان يونس جنوبي قطاع غزة، لتُخلّد صرخة “ولّعت” والقفزة الشهيرة إلى الأبد بدماء قائلها.

9- “حلل يا دويري”

في أحد أيام ديسمبر الماضي استهدف عضو بكتائب القسام قوات الاحتلال الإسرائيلية بقذيفة مضادة للتحصينات بمنطقة جحر الديك شرقي المحافظة الوسطى في القطاع، ثم ما لبث أن صرخ “حلل يا دويري”.

واللواء فايز الدويري، هو محلل الشؤون العسكرية على قناة الجزيرة، ودأب على تحليل مجريات حرب إبادة غزة، وعمليات المقاومة الفلسطينية.

وقد علق الدويري على دعوة المقاوم الفلسطيني بتأثر قائلا “إذا سألتني عن شعوري وإحساسي أقول لك: لقد قُلّدت أجمل وسام كنت أحلم بوضعه على صدري، أن أنادى من قلب المعركة حلل يا دويري، هذه شهادة أفتخر وأعتز بها، أن ما قدمته يتماشى مع الحدث وإن كان لا يرقى إلى مستواه”.

10- هند رجب “تعالي أمي خذيني إليك”

في أواخر يناير ، وفي محيط “دوار المالية” بحي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، كانت سيارة مدنية تجوب المكان، وداخلها مواطن اسمه بشار حمادة وبرفقته زوجته وأطفاله محمد (11 عاما) وليان (14 سنة) ورغد (13 عاما) وابنة شقيقته الطفلة هند (6 سنوات).

أمطر جنود الاحتلال السيارة بوابل من الرصاص، فاستشهد كل من فيها على الفور باستثناء ليان وهند. بادرت ليان بالاتصال بالنجدة، وظلت تتواصل معهم في قهر ورعب شديدين، وسرعان ما انقطع صوتها وهي على الخط مع فريق الإنقاذ، بعدما اخترق رصاص الاحتلال جسدها.

الطفلة هند التي بقيت محاصرة داخل مركبة اطلق الاحتلال النار على كل من فيها فاستشهدوا جميعا ( 6 افراد )

بقيت الطفلة هند ذات السنوات الست لوحدها حية في سيارة مليئة بجثث أقاربها، وتواصلت مع أمها طالبة إنقاذها من هذا الجحيم. انقطع الاتصال مرة أخرى، وبقي مصير هند مجهولا لـ12 يوما كاملة، وكبد أمها محترقة عليها، ومعها أكباد كل من سمع صوت ليان وصوتها وهما تطلبان النجدة.

وفي العاشر من فبراير الماضي أكد الهلال الأحمر الفلسطيني العثور على جثث شهداء المركبة وبينهم جثة الطفلة هند، كما أكد العثور على جثماني مسعفين بعد فقد أثرهما بمهمة إنقاذ الطفلة، وقال إن الاحتلال تعمد استهداف مركبة الإسعاف على بعد أمتار من مركبة عائلة الطفلة هند.

12- “أمانة ما تاكلينا واحنا ميتين”

لم تسلم الحيوانات الأليفة من قصف الاحتلال المستمر منذ عام، واشتهرت عدة مقاطع فيديو لأطفال من غزة وهم يحملون معهم قططهم خلال رحلات النزوح المستمرة، حتى تجمعهم النجاة أو الشهادة.

كما ظهرت مقاطع عديدة لقطط مرتعبة من الخوف، وأخرى تخرج من تحت الأنقاض جريحة كسيرة، ومن الفيديوهات التي حظيت بإقبال شديد فيديو لطفلة توصي قطتها بأن لا تأكل جثثهم إذا استشهدوا.

مقالات ذات صلة