منوعات
مديرية الثقافة بعنابة تدعو المجلس الولائي إلى مداولة عاجلة

“بلاس دارم”.. إرث حضاري عثماني يتحول إلى أوكار للمنحرفين واللاجئين الأفارقة

الشروق أونلاين
  • 11703
  • 14
ح.م

رغم انهيار عدد كبير من منازلها العثمانية العريقة، ورغم تحول الكثير منها إلى أوكار للدعارة والفساد أو مأوى للمتشردين واللاجئين الأفارقة، ماتزال رائحة الماضي الأصيل للمدينة القديمة في عنابة، تعبق فيما تبقى من أزقة ضيقة مرصوفة بحجارة، وحدها قاومت الإهمال ومعاول الهدم التي تكالبت عليها منذ الاستقلال.

عائلات كثيرة، لها تاريخ وأمجاد في المدينة، لكنها هجرتها إلى غير رجعة، تاركة الإرث التاريخي المترامي على مساحة 16 هكتارا مستباحا أمام وافدين من كل المناطق، مستأجرين لم يعرفوا أبدا القيمة الأثرية والتاريخية لمنازل هدموها بأنفسهم من الداخل كي يحصلوا على سكنات اجتماعية في الأحياء الجديدة، فكانوا هم والزمن على ما تبقى من ذاكرة بونة العربية الإسلامية. 

كلما توغلت صعودا في أزقة “المدينة العتيقة”، كما اصطلح عليها في قرار تصنيفها معلما وطنيا محفوظا، اكتشفت حجم الدمار الذي طال المباني والمعالم التي اختفى بعضها ولم يعد موجودا سوى في ذاكرة كبار السن، فهنا يقول مرافقنا ودليلنا السيد “خنوشي بلقاسم” رئيس جمعية وفاء للمدينة القديمة، منزل كان يجتمع فيه المجاهدون، وهنا “الغريبة” كنيس يهودي، وهنا زاوية سيدي خليف، وهناك دار القاضي البناء الفخم الذي مازال جميلا رغم تكالب عوامل الزمن وإهمال ساكنيه، فأعمدته الدائرية وأقواسه مازالت قائمة.. وفي كل الأنحاء منازل كبيرة بطراز عربي أندلسي تنبعث منها رائحة الرطوبة القوية، وحمامات أغلبها مقفل.. وحده حمام بن سالم مازال يقاوم، فاتحا أبوابه للزبائن وللسياح، وللاجئين الأفارقة أيضا.. فالمدينة أصبحت لهم ولأمثالهم من العابرين بعد ما هجرها سكانها الأصليون. 

وإن كان مسؤولو ولاية عنابة السابقون والحاليون يتباهون بمعالم المدينة الأثرية، ويصطحبون زوارهم إلى مسجد أبو مروان الشريف التحفة المعمارية التي بنيت عام 1030 للميلاد، فإنهم لن يجدوا بعد سنوات قليلة سوى الفراغ المحيط بالمسجد الخاضع حاليا إلى عملية ترميم واسعة، لأن مسجد أبي مروان الشريف يستمد في الحقيقة رونقه من النسيج العمراني المحيط به. 

وفي انتظار كسب معركة الإجراءات القانونية وتجسيد قرارات الترميم لإنقاذ ما تبقى، يصنع ثالوث الدعارة، والعصابات والقمامة، يوميات بائسة لسكان همهم الوحيد الحصول على شقة بعيدا عن “الضيق” والجريمة التي يتربى أطفالهم يتفرجون عليها. وفي هذا السياق يرى مرافقنا أن سياسة الترحيل العشوائي هي التي تسبّبت في الوضع الحالي، فالمفروض أن يرحل سكان أي عمارة متضررة دفعة واحدة، وليس بالتقسيط، مما يفتح الباب أمام غرباء لاحتلالها، أو تتحول إلى مكب للقمامة من باقي السكان.

من جهته، يعترف مدير الثقافة السيد إدريس بوديبة بحجم المأساة التي تعانيها المدينة ومعالمها، منوها بالعمل الجاد الذي قام به مع موظفوه لافتكاك قرار تصنيفها معلما وطنيا محفوظا، بموجب القرار الصادر في العدد 26 من الجريدة الرسمية بتاريخ 15 ماي 2013، ولكنه غير كاف لحمايتها، إذ يتعين الحصول على تمويل مالي للترميم، مؤكدا دعوته للمجلس الشعبي الولائي إلى عقد مداولة حولها في القريب العاجل.

مقالات ذات صلة