بل خادم عشيرة النظام ليس سيدهم
بداية ترحيل الرؤوس النافقة من واجهة السلطة في المشهد الحزبي، مع ترحيل بلخادم بعد أويحيى، قد لا تكون مؤشرا كافيا عن بداية ربيع جزائري ناعم ينتهي بتحريك قطار الإصلاحات المعطل منذ عقود، بقدر ما تكون كاشفة لعملية محدودة لإعادة تشبيب نظام شعر أنه قد بلغ أرذل العمر، بقدر لا تصلح معه عقاقير العطار في إصلاح ما أفسده دهر من الترميم المحدود بإعادة تدوير مواد غير صالحة لبناء الجديد.
ترحيل السيد بلخادم الأمين العام لجبهة التحرير كان متوقعا، ليس لأن صف جماعة التقويميين قد تعزز منذ أسابيع بزمالة ثمانية من وزراء جبهة التحرير طالبوا زعيمهم بالرحيل، وليس لأن الأمين العام يكون قد وصل إلى الدورة العادية للجنة المركزية لجبهة التحرير بحصيلة توجب بالضرورة ترحيله، بل كان الحدث متوقعا مباشرة بعد ترحيل غريمه من رئاسة التجمع الوطني السيد أويحيى.
وحده السيد بلخادم يكون قد أساء قراءة المشهد، ولم يتابع وقائع ما يشبه الربيع الناعم على الطريقة الجزائرية، يرحل فيه بعض الرؤوس النافقة من المشهد السياسي بأدوات النظام المجربة، حتى لا يطمع بعضهم في ترحيل رؤوس أكبر، وربما من هو أكبر منها.
فقد راهن بلخادم على ما وصله من تطمينات خادعة من أعضاء اللجنة المركزية من خارج جماعة التقويميين، ومن الذين يدينون له بعضوية اللجنة المركزية خاصة من النواب، ولأنه كان يعتقد أن القرار أصلا هو بيد أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي، ولأجل ذلك لم يلتفت كثيرا إلى خروج أعضاء الحكومة الثمانية من جبهة التحرير عن واجب التحفظ، ودخولهم ميدان “تحرير” الجبهة من بلخادم دون سابق إنذار، أو إنما إصراره في المكابرة إنما كان بإيعاز ممن يمتلك وحده القرار، أراد أن يزيل الوهم عند جماعة التقويميين، حتى لا يظن بعضهم أن له فضل في ترحيل الرجل الذي كان إلى وقت قريب الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية.
.
موسم ترحيل الرؤوس النافقة
اليوم الأول من الدورة العادية للجنة المركزية كان مبرمجا لكي يكون آخر أيام بلخادم على رأس جبهة التحرير، بتصويت أغلبية بسيطة على قرار يسحب الثقة من الأمين العام، بحضور 318 عضو اختار 160 عضو منهم أن يكون مع فريق ترحيل الأمين العام، أي بفارق ستة أصوات ليس إلا، كانت كافية لتفتح شهية واحد من قياديي الحركة التقويمية: سعيداني أو بوحارة على توطين أنفسهم لاستلام دفة قيادة سفينة الأفلان نحو بر الأمان، في ما يحضر للمشهد السياسي القادم من إعادة هيكلة وتدوير للقيادات.
ربما يكون السيد بلخادم قد استعاد شريط توليته الأمانة العامة سنة 2005 في أعقاب انقلاب علمي آخر، كان قد دبر لسلفه السيد بن فليس، الذي ارتكب خطيئة الترشيح للرئاسة ضد مرشح النظام، ويذكر السيد بلخادم كيف رقي لهذه الواجهة خلال المؤتمر الثامن بإجماع مريح، كما جددت له العهدة في المؤتمر التاسع بنفس الروح التوافقية التي تصنع بها القرارات في العادة داخل الحزب العتيد.
“وحده بلخادم يكون قد أساء قراءة المشهد، ولم يتابع وقائع ما يشبه الربيع الناعم على الطريقة الجزائرية، يرحل فيه بعض الرؤوس النافقة من المشهد السياسي بأدوات النظام المجربة، حتى لا يطمع بعضهم في ترحيل رؤوس أكبر”
في موازنة غير منصفة قد يقيمها بعضهم بين بلخادم وأويحيى، لن تكون بالضرورة لصالح بلخادم، يكون الأمين العام السابق للتجمع الوطني قد أدرك ما لم يدركه بلخادم، من أن التدبير يتجاوز حدود وصلاحيات أعضاء القيادات في حزبي السلطة، وأنه لا طائل من المطاولة والمكابرة حين تتدخل اليد الطولى في إعادة ترتيب أحد بيوت السلطة، وأنه كان بوسع السيد بلخادم أن ينتبه في وقت مبكر، إلى أن قطار التغيير بالتدوير قد انطلق، وأنه كان على رأس قائمة الرؤوس التي قد أينعت وحان وقت وقطافها، خاصة وأنه يتحمل مع أويحيى مسؤولية كبيرة في ما أنتجه البرلمان السابق من تعويق لإصلاحات الرئيس وتشويهها حد إفراغها من محتواها.
.
إعادة هيكلة آمنة بالتدوير المريح
لم يكن لحدث ترحيل الأمينين العامين لحزبي السلطة أن يستحوذ على الرأي العام، ويطغى على أحداث المشهد السياسي الشحيحة أصلا، لولا أن الترحيل جاء خارج السياق العام لمشهد سياسي متخشب، غير قادر على تفعيل أدوات التغيير والإصلاح الذاتية، وأن الترحيل نفذ بعد أسابيع عن آخر استحقاق انتخابي شهدته البلد في نهاية العهدة الثالثة للرئيس، ولم يكن له صلة بنتائج الاستحقاقيين الانتخابيين: البرلماني والمحلي، وإلا ما كان ينبغي أن يرحل الأمين العام لجبهة التحرير، وقد خرج من الاستحقاقين بنتائج كانت توجب تجديد العهدة له دون مشاحة.
وحتى مع التسليم بأن تغيير الأمينين العامين لحزبي السلطة يبقى تغييرا محدودا، فإن تخلص النظام من رجلين كانا من أبرز وأوثق خدام الدولة العميقة، بعد سلسلة من التغييرات حصلت على مراحل ودون صخب إعلامي داخل مؤسسات ذات شأن في الدولة، كانت تشي بقرب إعادة هيكلة الواجهة السياسية للنظام على مستوى الجبهة والتجمع، بدأت بتفكيك ما كان يسمى بالتحالف الرئاسي، ثم إبعاد حمس من الحكومة، أعقبها إبعاد أويحيى وبلخادم من الوزارة الأولى، التي كان في عودة العمل بها مؤشرا ذي شأن في اتجاه تثبيت الطابع الرئاسي للنظام رغم أنف الدستور، وتحييد الأحزاب والبرلمان من المشاركة في الجهاز التنفيذي، واستدعاء رجل من الدولة العميقة لرئاسة الحكومة، قلت عنه وقتها أنه اجتبي لتمكين النظام من إقامة حوار داخلي مع نفسه والتوافق الآمن على ترسانة الإصلاحات الممكنة بعيدا عن تشويش ومشاغبة شخوص المشهد السياسي للعملية.
.
معوقات تشبيب نظام بلغ أرذل العمر
قبل سنة من الآن، وبالتحديد في نهاية فبراير من السنة الماضية كتبت تحت عنوان “الفرص الضائعة لبناء العقد الفريد” ذكرت فيه بالفرص التي ضاعت على البلد منذ الاستقلال للدخول في إصلاحات جادة ومنتجة، وقلت في الاستهلال: “منذ الاستقلال فوتت علينا النخب السياسية أربع فرص حقيقية لصياغة عقد اجتماعي يحمي حقوق المواطن واستمرارية الدولة، ويحسم لجيل أو أكثر قضايا الهوية، وطبيعة نظام الحكم المستقر، المنفتح على التداول السلمي للسلطة بمؤسسات دستورية، وبتوزيع متوازن للسلطات، يمتنع معه قيام الاستبداد تحت أي ظرف، وتتوفر فيه فرص تحقيق التراكم بين الأجيال”
وكانت البلاد وقتها تستعد لتنظيم آخر استحقاق تشريعي في العهدة الثالثة، ولم يكن قد ظهر على المشهد السياسي أي استعداد لتقبل إصلاحات ذات شأن، حتى في صيغتها المجتزأة والمحدودة التي تقدم بها الرئيس على عجل مع بداية أحداث الربيع العربي. ولأحل ذلك كنت آمل مع كثير من المواطنين أن تسارع الطبقة السياسية بعد التشريعيات إلى استباق رغبات وحاجة النظام إلى الإصلاح، والدخول معه في ما أسميته بـ”الربيع الناعم لإخراج البلاد من الجمود”.
“ترحيل بعض الرؤوس النافقة لا ينبغي أن يحمل فوق ما يتحمله، حتى لا نخدع مثلما خدعت شعوب الربيع العربي، التي بدأت اليوم فقط تكتشف أن ميادين التحرير لم تزد عن حلق شوارب الاستبداد وعفت في الجملة عن اللحى”
الظاهر أن أهل مكة أدرى بشعابها، وأن النظام أعلم منا بما في شخوص الطبقة السياسية من قصور، وما يعتريها بالفطرة من سلوك وأخلاق الطيور الإمعة، الباحثة دوما عن وكر، وأنه لا يصلح معها العطار ما أفسده فيها دهر من الخدمة تحت الطلب، لم تكن فيه الأحزاب وشخوصها ورجالاتها أكثر من حملة طيعين للشمعدان على أبوبا مهاجع السلطة، وأنه ليس من السهل تحويلهم بين عشية وضحاها من حالة الرق بالتوارث إلى ما يقتضيه الانعتاق بالتخلص الطوعي من الإصر، لا بقرار العتق وفك الرقبة.
.
قطف رؤوس أينعت من حديقة “طاب جنانو”
لست واثقا حتى الساعة من أن تخليص حزبي السلطة من الرأسين النافقين هو بداية لربيع جزائري ناعم، قد يكتب له أن يزهر حيث يتعثر ربيع العرب في أوحال المحاصة على كراسي الحكم، لكنها قد تكون بداية جادة لإعادة “تدوير” ورسكلة مكونات المشهد السياسي، بدل البحث عن خامات جديدة من الجيل الشاب الذي دعاه الرئيس لحمل مشعل السلطة من يد “جيل طاب جنانو” أو لأن النظام لم يوفق، أو لا يريد أن يبتكر مسلكا آخر يوفر فعلا للجيل الجديد فرصا حقيقية لاستلام السلطة.
وبنفس القدر من الثقة، لست متأكدا من أن جيل الشباب الجزائري قد أعد نفسه لاقتناص الفرصة حين تتاح له، لأنه لم يقتنع بعد أن السلطة لها بوابتين لا أكثر: بوابة المغالبة بالشغب والثورة، وهي غير أمنة حتى حين يوفق أصحابها، كما حصل لشباب الربيع العربي الذي وجد نفسه مضطرا للعودة لميادين المشاغبة والثورة، وبوابة المشاركة في اللعبة السياسية عبر أدواتها التقليدية، إما بالانخراط في أحزاب قائمة، وانتزاع مواقع القيادة فيها، أو بتأسيسي كيانات جديدة، والاستقواء على “جيل طاب جنانو” بالناخب المتشوق للتغيير وأغلبه من الشباب، شريطة أن يعاد النظر في أدوات التداول النزيه على السلطة، وتخليصها من فنون وتقنيات التزوير.
وإلى أن تتضح الصورة أكثر، حين يمنح الضوء الأخضر للبرلمان الحالي لبحث التعديلات الدستورية المنشئة لإصلاحات حقيقية، فإن قرار ترحيل بعض الرؤوس النافقة في المشهد السياسي لا ينبغي أن يحمل فوق ما يتحمله من معاني وتبعات، حتى لا نخدع مثلما خدعت شعوب الربيع العربي، التي بدأت اليوم فقط تكتشف أن ميادين التحرير، التي قيل إنها غيرت النظم الاستبدادية لم تزد عن حلق شوارب الاستبداد وعفت في الجملة عن اللحى، وتكتشف بعد حين أنه حتى المتمسكين بسنة “قص الشوارب والعفو عن اللحية” لا يرون مانعا أن يستعيد النظام في عهدهم وبقيادتهم شيئا من الهيبة التي لا تكون إلا لمن له شارب مهيب.