“بن بلة أعطانا الضوء الأخضر للسيطرة على الإذاعة والتلفزيون وبومدين حمانا عسكريا”
يكشف عبد القادر نور، أول مدير عام لمؤسسة الاذاعة والتلفزيون، في هذا الحوار مع “الشروق” ما يقول أنه تفاصيل تمرّد الصحفيين الجزائريين على اتفاقية وقف اطلاق النار الموقعة بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والسلطات الفرنسية، والذي أسفر عن استرجاع السيادة على مؤسسة الاذاعة والتلفزيون في الـ28 أكتوبر 1962بعدما كانت هذه الأخيرة “مقرا للسفارة الفرنسية” لا يجوز الاقتراب منها..
تحرير البلاد أعقبه تحرير مؤسسة الاذاعة والتلفزيون من قبضة المستعمر الفرنسي، كيف كانت البداية؟
مؤسسة الاذاعة والتلفزيون كانت مستعمرة بصورة كاملة من طرف السلطات الفرنسية بحكم اتفاقية وقف القتال التي تنص على بقاء هذه المؤسسة وحتى قطاع السينما تحت ادارة الاحتلال، وذلك بحجة التعاون التقني بين الجزائر وفرنسا. في هذا السياق، تم استدعائي، حيث كنت صحفيا في صوت الجزائر ضمن اذاعة صوت العرب بالقاهرة للدخول الجزائر، وكان لي الشرف في ترديد عبارة”هنا صوت الجمهورية الجزائرية بصوت العرب بالقاهرة” لآخر مرة قبل الانتقال الى الجزائر الحرة.
.
كيف تم التحاقك بالمؤسسة؟
جاءتني برقية من الحكومة الجزائرية في 23 أوت 1962، سلمها لي العقيد علي كافي الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب رئيس البعثة الجزائرية في القاهرة، ولما سلمت لي البرقية كان محمد حربي مسؤولا في وزارة الخارجية، وتم تعييني من طرف هذه الأخيرة مطلع الاستقلال وأنا في القاهرة، واذكر ان محمد حربي في ذلك الوقت قال لي انني لن استطيع ان انجح لأن فرنسا مازالت مستعمرة لهذه المؤسسة، وبعدها سافرت الى الجزائر في صبيحة 4 سبتمبر 1962، وفي اليوم الموالي رفضت في البداية الدخول الى مؤسسة الاذاعة والتلفزيون لأنني اعتقدت انها السفارة الفرنسية في بلادنا، فكل شيء كان يوحي بأن المبنى فرنسي وليس جزائريا.
.
من وجدت في استقبالك؟
لما دخلت وجدت عيسى مسعودي رحمه الله في استقبالي، وكان يعرفني فقط بالاسم والصوت فقال لي :”يا نور بعثونا مراقبين فقط وسط الفرنسيين”، أجبته “انا لن اراقب، سأبدأ العمل حالا في قاعة التحرير مع الطاقم الفرنسي”. الاذاعة كانت في ذلك الوقت الاذاعة الخامسة التابعة لفرنسا، دخلت بعدها قاعة التحرير وانتزعت منهم مسؤولية التحرير وأصبحت رئيس التحرير بدل صحفي لبناني فر مع اعلان استقلال الجزائر مباشرة، ومنذ ذلك الوقت شرعنا في التوجيه الوطني للأخبار في الاذاعة والتلفزيون الذي صادف تاريخ الرابع من سبتمبر 1962 رغم تواجد الفرنسيين بالإذاعة.
.
كيف حدث أن حررتم مؤسسة الاذاعة والتلفزيون من سيطرة المستعمر الفرنسي؟
بعد هذا فكرت رفقة اربعة مسؤولين بالإذاعة وهم عيسى مسعودي، خالد سافر، عبد الرحمان لغواطي وعبد العزيز شكيري في كيفية التخلص من الاستعمار، مع بعض المحاولات بإنزال العلم التي كللت بالفشل لان الفرنسيين رفضوا رفضا قاطعا ذلك، اما فكرة الانسحاب، فقالوا لنا أنها غير مطروحة بتاتا، وكنا في ذلك الوقت على مقربة من فعاليات الاحتفال بأول ذكرى انطلاق ثورة نوفمبر، حيث اتخذنا عندها قرارا يقضي بضرورة عدم الاحتفال بالذكرى تحت راية العلم الفرنسي مهما كلفنا الامر، ولأننا واجهنا الامر بتعنت كبيرة من طرف السلطات الفرنسية، قررنا الاستيلاء على الاذاعة والتلفزة بطريقة ثورية.
.
وماذا فعلتم؟
سيطرنا على ستة مراكز تابعة للإذاعة والتلفزيون، بفضل 24 تقنيا جزائريا مجاهدا كانوا يعملون في صوت الجزائر بالإذاعة السرية على الحدود الجزائرية المغربية ومعهم 4 من الذين كانوا في الاذاعة الخاضعة لفرنسا ووصل المجموع 24 تقنيا، وذلك دون علم المدير العام للمؤسسة الفرنسي “دروي” والطاقم الفرنسي الذي يبلغ عدده 150 بين اذاعيين وتقنيين.
.
كيفت تمكنتم من إحكام السيطرة على المؤسسة في ظل قلة عددكم؟
قمنا بتوزيع كل التقنيين على المراكز الستة التي استرجعناها بكل من وهران قسنطينة، برج البحري، اين كان يتواجد مركز الارسال التلفزيوني ومركز اولاد فايت اين يوجد مركز الارسال الاذاعي، استديو الاذاعة واستديو التلفزة، فأصبحت الاذاعة تحت سيطرتنا الكاملة، بعدها كان من الضروري استشارة العاملات والعمال الجزائريين الذين كانوا يشتغلون في الاذاعة الخامسة التابعة لفرنسا وفي سرية تامة، فاجتمعنا بهم، فتكلم عندها عيسى مسعودي وقال: “مازالت دماء اخواننا لم تجف في القرى والجبال وفي مدن الجزائر، وفي كل بقعة من هذه الارض الطيبة المعطاءة ولذلك لا بد من “وضع اليد في اليد”، دون ان يخبرنا بالخطوة القادمة، فدوت القاعة بالتصفيقات والزغاريد، وكلفنا بعدها خالد سافر بإعلام عبد العزيز شكيري بأنه عيّن لإنزال علم فرنسا من فوق مبنى الاذاعة والتلفزة فتلقى الخبر بفرح وأنزله.
.
كيف كانت ردة فعل الفرنسيين؟
لمّا مُسّت السيادة الفرنسية بإنزال علمهم توترت الامور أكثر، حتى قرروا الانسحاب بعد اتصالهم بالسلطات في بلادهم، لم يعلموا حينها ان الرمال كانت تتحرك تحت اقداهم، ولو خرج تحضيرنا السري للسيطرة على المؤسسة لجندوا لنا القوة الفرنسية التي كانت موجودة هناك، ولكننا لم نكشف خطتنا، فطلبوا مهلة 48 ساعة للرحيل وإخلاء المكان وهو الوقت الذي يصادف الـ 28 اكتوبر 1962 .
.
وماذا عن رد السلطات الجزائرية نحو فعلكم الثوري، خصوصا أنه يعتبر خرقا لاتفاقية وقف إطلاق النار؟
في تلك الليلة زارنا الرئيس احمد بن بلة للاستفسار عمّا فعلنا، لأننا كسلطة اعلامية ثورية كنا مستقلين عن اية سلطة أخرى، وسلوكنا كان بمثابة تمرد على اتفاقية وقف اطلاق النار التي وقعت بين السلطات الجزائرية ونظيرتها الفرنسية، فأخبرته بتفاصيل ما حدث وقال لنا بعدها “هل انتم قادرون على ادارتها وتسييرها”، أجبته “نعم”، فقال لنا: “تفضلوا إذن” وكان حديثه بمثابة الضوء الاخضر للشروع في العمل الحقيقي”، ومثل ذلك اول خرق لاتفاقية وقف القتال الذي حرر الاذاعة التلفزيون من قبضة الفرنسيين فأصبحنا أحرارا وطلبنا بعدها الحماية من بومدين الذي كان نائبا للرئيس بن بلة فبعث لنا كتيبة بقيادة العقيد رابح ماضوي، الذي كان رائدا في ذلك الوقت، من جيش التحرير الوطني وانسحبت فرنسا رسميا يوم 28 اكتوبر عند منتصف النهار.
.
هل واجهتم مشاكل بسبب قلة الاطارات والصحفيين؟
لم نواجه هذا المشكل أبدا، حيث كان عندنا ما يكفي من الاطارات للعمل فاجتمعنا في الثالث من نوفمبر، وشرعنا في تحضير الشبكة البرامجية.
.
هل يوجد من الفرنسيين من طلب البقاء في الإذاعة بعد طردهم منها؟
لا، لم يطلب أحدهم البقاء، فقط مخرجة تدعى “سيسيل كليرفال” طلبت البقاء فسمحنا لها بذلك.
.
كيف تم اختيارك لتسسير هذه المؤسسة؟
اعتقد ان الامر كان بمثابة رد للجميل، خاصة وأنني كنت من بين الاعلاميين الذين عملوا في صوت الجزائر من صوت العرب، ولهذا فأنا اعتبره نوعا من الاعتراف بالتضحية التي قدمتها من قبل، بعد ان فضلت الالتحاق بمؤسسة الاذاعة والتلفزيون على المنصب الرفيع الذي منحتني اياه وزارة الخارجية في اوت، 1962 .
.
مارايك في أداء مؤسستي الاذاعة والتلفزيون اليوم؟
يصمت ثم يجيب “والله تأسفت كثيرا لعدم دعوتي الى الحفل الذي اقيم بمناسبة الاحتفال بذكرى استرجاع السيادة على مؤسسة الاذاعة والتلفزيون، ولكن ربما القائمين على القسم التجاري هم الذين حضروا للمناسبة ولهذا نسوني لأنهم لا يعرفونني! .