الشروق العربي
أسطورة حية وثّقتها الكاميرا منذ قرن

بوسعدية… الطبال الذي عاش في ذاكرة بسكرة

ك. فاروق
  • 185
  • 0

هناك شخصيات تمر مرور الكرام، وشخصيات رغم بساطتها غير أن التاريخ يخلدها بطريقة لا تخطر على البال، مثل شخصية طبال متنقل جاء من مكان بعيد، وصار أيقونة تراثية ملأت البهجة في شوارع عاصمة الزيبان بسكرة… القصة وما فيها في الشروق العربي، لأول مرة.

تُشكل شخصية “بوسعدية” إحدى أبرز الشخصيات التراثية في الذاكرة الجماعية البسكرية. ولطالما اكتنف الغموض هذه الشخصية لتتأرجح بين الواقع والأسطورة، ولتنسج حولها قصص ومغامرات. لكن رغم كل هذه الأساطير إلا أن شخصية بوسعدية واقعية، عاشت بين أهالي بسكرة، واستمرت حتى سبعينيات القرن الماضي، تاركةً بصمة ثقافية لا تمحى.

من هو “عمي عيسى”؟ 

“بوسعدية” من هو ومن أين أتى؟ هو رجل يُدعى “سوداني عيسى”. وكان هناك من يطلق عليه اسم جاك بوسعدية، تعود أصوله إلى مناطق السودان غرب إفريقيا. هاجر من أقاصي القارة السمراء إلى شمال إفريقيا، واختار الاستقرار في قلب عروس الزيبان “بسكرة”، وتحديداً في “حارة الوادي” العريقة التي لا زال يقطنها بعض أحفاده حتى اليوم. ومن مجرد وافد غريب عرف عمي عيسى كيف يقلب الموازين، ليصبح أحد أهم رموز التراث الشعبي المحلي.

تروي الذاكرة الشعبية قصة مأساوية تختبئ خلف حركات “بوسعدية” الاستعراضية؛ إذ تشير الأسطورة إلى أنه كان ملكاً أو أميراً من إفريقيا جنوب الصحراء (تحديداً من مالي أو النيجر أو السودان القديم)، تعرّضت ابنته الوحيدة “سعدية” للاختطاف على يد تجار العبيد. ومن شدة حزنه وتعلقه بها، ترك ملكه وتنكّر في زيّ غريب مرتدياً قناعاً يخفي هويته، ثم انطلق يطوف المدن والبلدان بحثاً عنها، يدق الطبول ويشدو بأغنيات تمزج بين العربية والأعجمية، أملاً في أن يصل صوته إليها أو يلمحها بين جموع الناس والأطفال.

توثيق سينمائي عالمي عام 1927

قد لا يصدق الكثير أن بوسعدية ليس من خيال الأدباء أو مخيال الشعب، غير أن التاريخ خلده من خلال السينما العالمية المبكرة؛ ففي عام 1927، اقتحم عمي عيسى مشاهد الفيلم الصامت “جنينة الله”، الذي صُوِّر في بسكرة وصور مشاهد في حديقة “لاندو” الشهيرة. وقد كتب سيناريو هذا الفيلم روبرت هيتشنز، الذي يعد أحد الناجين من حادثة غرق التيتانيك ومن بطولة أليس تيري وإيفان بتروفيتش. لم يمنح المخرج بوسعدية دوراً تمثيلياً مكتوباً، بل أظهره بحضوره العفوي وبملابسه التقليدية، ليكون شاهد عيان وثّقته الكاميرا كجزء أصيل من الحياة اليومية لمدينة بسكرة في تلك الفترة.

طبل وعصا وتخاريف

عُرِف “عمي عيسى” بتجواله الدائم بين قرى ومدن بسكرة وسيدي عقبة، حاملا بنديره وعصاه ذات الرأس المنحني، يتجول في الأحياء ويرافقه صديق تجهل هويته يقود حماراً يحمل التبرعات التي يجود بها الأهالي من أكل ودقيق وملابس وأشياء يهدونه إياها.

تنسجم هيئة “بوسعدية” مع روحه الاستعراضية؛ إذ يظهر بمظهر لافت يجمع بين طابع المهرّج وغموض الساحر الإفريقي القديم. يرتدي أسمالاً وخرقاً بالية ملونة مُطعّمة بقطع من جلود الحيوانات، ويُزيّن جسده بتمائم وقواقع وعظام وأجراس معدنية تُحدث خشخشة قوية مع كل خطوة. كما يُغطي وجهه الأسمر بقناع جلدي يُخفي ملامحه، مشدوهاً بأنغام طبل صغير أو صناجات نحاسية يدق عليها لإثارة الانتباه واستقطاب الجماهير.

رجل بلسان أحمر

تشبه شخصية بوسعدية المليئة بالبهجة والابتسامة شخصية بابا سالم الشهيرة. كان يجمع الناس على إيقاعاته المنطلقة، وكان يشتهر بطقسه المرعب مع الأطفال؛ إذ كان يخرج لسانه الأحمر ويضع عصاه على رقبته، وهو تصرف كان يثير خوف الأطفال ومرح الكبار في آن واحد. بل إن الآباء كانوا يحملون أبناءهم إليه ليضع عصاه على رؤوسهم في طقس شعبي طريف يُعبّر عن التبرك والمزاح.

قرن من الذاكرة

امتدت رحلة “سوداني عيسى” لأكثر من قرن، ويقال إنه عاش نحو 105 عام، ورغم فقدانه بصره في أواخر أيامه، إلا أنه ظل يحظى بمحبة واحترام الجميع حتى وفاته. وقد وافته المنية في بسكرة المدينة التي اختارها قلبه وأحبها بكل جوارحه. غاب جسد عمي عيسى، لكنه ترك خلفه حكاية “بوسعدية” حية في وجدان أهل المنطقة وفي سجلات السينما التراثية.

مقالات ذات صلة