منوعات
انتقد سياسة القطاع في كتابه الجديد "رجل الثلج في رحلة إلى الصحراء"

بوكبة لـ”الشروق”: الاستراتيجية الثقافية أولوية قصوى

حاوره: محمود بن شعبان
  • 378
  • 0
عبد الرزاق بوكبة

أصدر السارد والشاعر والناشط الثقافي ورئيس شبكة كفاءة الثقافية عبد الرزاق بوكبة كتابا جديدا، عن دار “وهج” الجزائرية، في ما يسميه “أدب البيت” حمل عنوان “رجل الثلج في رحلة إلى الصحراء”، ضمّنه رؤاه الثقافية وطريقته في العمل الثقافي الجمعوي، وما يقترحه من أفكار وبرامج لأجل مشهد ثقافي وطني يقول إنه يجب أن يكون نائيا عن الابتذال والإهمال والارتجال، حتى ينسجم مع ما يسميه “رهانات الأمن القومي الثقافي”.

دعنا ننطلق من عنوان الكتاب الذي يتضمن مفارقة واضحة، ما الرسالة التي يحملها ما عدا إثارة فضول المتلقي؟

لا تهمّني المفارقة المتعلقة برجل الثلج المسافر إلى حرارة الصحراء، حيث سيكون مهددا بالذوبان، بقدر اهتمامي باحتمال تعرضنا للذوبان بصفتنا مجموعة وطنية جزائرية، في ظل عدم امتلاكنا، بعد ستين عاما من الاستقلال لاستراتيجية ثقافية وطنية واضحة المنطلقات والأدوات والمآلات، رغم أننا تاريخيا أمة ثرية ثقافيا، ورغم أن حاجتنا إلى بلورة هذا الثراء، وفق رؤية واضحة وواقعية وواعية ومدروسة باتت ملحة جدا، في ظل الرهانات والفخاخ التي تحيط بلحظتينا الوطنيتين القائمة والقادمة، حيث لم يعد الأمن القومي الثقافي مفصولا عن الأمن القومي العام. وإن استمرارنا في التعامل مع الثقافة بصفتها صناعة فرجة فقط، لا صناعة وعي وذوق أيضا، وصولا إلى شارع متوازن فكريا ونفسيا ومنخرطا في روحه وهويته الجزائرية، سيكلفنا مالا عاما من غير أن نحقق أثرا عاما.

ذكرت في الكتاب أن الجزائريين لا يتحمسون لخصوصياتهم وموروثاتهم الثقافية إلا إذا تمت سرقتها أو شتمها من طرف الآخرين، لكنهم في المقابل لا يتحمسون لتسويقها، كيف ذلك؟

نحن ثقافيا نشبه أسدا خاملا لا يتحرك إلا إذا تم الاقتراب من العرين، لكنه قبل وبعد ذلك لا يعمل على التسويق لمحيط عرينه، ولنا في الجدل الذي حصل بسبب قضية الزلّيج مثال صارخ، بل إن قطاعا واسعا من مواطنينا لا يعرفون كثيرا من كنوزهم الثقافية مادية ولا مادية، فكيف بالأجانب؟ بكل ما يترتب عن ذلك من تقزيم لشخصيتنا الوطنية، ومن ضياع للمصالح ومن فرص للاختراق الأجنبي باسم الثقافة، لقد تساءلتُ خلال الكتاب في هذا السياق: إننا نملك عشرات المراكز الثقافية في الخارج، فكم من مركز ينشط بوعي في مسعى تسويق خيراتنا الثقافية، بكل ما يترتب على ذلك من ثمار سياحية وإعلامية واقتصادية وسياسية؟ ونملك عشرات المهرجانات والتظاهرات، فكم من تظاهرة تملك القدرة على الإشعاع والتأثير دوليا؟ علينا أن ننزعج من واقع خطير هو أن مشهدنا الثقافي خالٍ من نزعة احتضان أبنائه، فهم يتوجهون إلى الخليج إذا كانوا معربين وإلى فرنسا إذا كانوا مفرنسين، في الوقت الذي كنا قادرين فيه على احتضانهم داخليا، مع قدرتنا على التحول إلى استقطاب الأجانب، لقد تحولنا في السنتين الأخيرتين إلى قوة دبلوماسية واقتصادية، يجب ألا نغفل عن بوادر ذلك، وعلينا أن نصبح أيضا قوة ثقافية وإعلامية.

قام الكتاب على سرد تجربتك في إطلاق طاولة لبيع الخضار، قصد تمويل مشروعك الثقافي في برج بوعريريج، كيف ملكت الجرأة على تنفيذ ذلك، ثم على كتابته؟

كان ذلك قبل سنتين، وكان هدفي توجيه رسالتين، الأولى للحكومة التي كانت وما تزال تخصص ميزانية ضخمة لقطاع الثقافة والفنون تساوي ميزانية بعض الدول الإفريقية، ولكن من دول طائل، لغياب رؤية مدروسة ومواكبة للحاجة الوطنية في المجال الثقافي، من ذلك أن شطرا كبيرا من الدعم يذهب لجمعيات يعد نشاطها الوحيد هو إيداع ملفات الدعم، ويذهب تمويلها لمهرجانات لم تستطع أن تصل إلى النخب ناهيك عن المواطنين، والرسالة الثانية للنشطاء الثقافيين مفادها أن ربطنا التحرك في الميدان بدعم الوصاية لنا ماليا يعني كوننا منفذين ولسنا نشطاء، فلنقترح ولنبادر في حدود المتاح، حتى نستحق الدعم لاحقا.

وأنت في سياق الكتاب لم تستثنِ النخبة من النقد، ولم تكتفِ بنقد الوزارة والمؤسسات الثقافية الحكومية، لماذا؟

لأن المشهد الثقافي شبيه بالطائر الذي لا يمكن له أن يطير إلا بجناحين، الوصاية التي يفترض أن مهمتها الدعم والمرافقة والتخطيط واحتضان المشاريع، والمجتمع المدني الثقافي الذي يفترض أن مهمته الاقتراح والمبادرة وتقديم البدائل، لكن الذي يحصل منذ سنوات هو أن الوصاية تحولت إلى عربة منافسة لا مظلة مرافقة وراعية، مستغلة حيازتها للمال العام، فيما تحول قطاع واسع من الجمعيات إلى المطالبة بما يعتبره حقه في “التورتة”، وكلاهما ينظران إلى النشطاء حملة المشاريع الجادة والجيدة التي تحتاجها فعلا الجزائر الجديدة نظرة تشنج بكل ما يترتب عنها من إقصاء وتقارير مُشَوِّهة، فهل مهمة وزارة الثقافة والفنون، مثلا، أن توفر المناخات الصحية لنشر القراءة والأدب في الأوساط الشعبية، على مستوى الولايات الثماني والخمسين، من خلال استراتيجية هي ثمرة لقراءة الواقع في تحولات التلقي داخله، أم إقامة نشاط أدبي في قصر الثقافة بالجزائر العاصمة؟ هل هي مؤسسة جمهورية وصية على الخطط والأفعال الثقافية أم هي مركز ثقافي على مستوى العاصمة؟ ثم إنها على مستوى العاصمة نفسِها لا تحضر كما يقتضيه الرهان، إذ علينا الانتباه إلى أن عاصمتنا من أضعف العواصم إشعاعا ثقافيا، في الوقت الذي نحن محتاجون فيه منها أن تكون بؤرة ثقافية عربيا وأفريقيا ومتوسطيا، في تكامل منها مع الولايات الأخرى.

رغم أن الكتاب موصوف بكونه يندرج ضمن أدب البيت إلا أنه تضمن رؤى ثقافية واجتماعية وسياسية، هل يستوعب هذا النمط من الأدب ذلك؟

لا أحب أن أكتب يومياتي أو سيرتي الذاتية مفصولة عن انشغالاتي بهواجس محيطي، فأنا لا أقدم تقريرا لأسرتي أو عنها بل أكتب لشرائح من القراء، ومن حقهم أن يجدوا في كتاباتي ما يعنيهم، ثم إن بعض القراء يتلقون الهواجس العامة في ظل فضولهم لالتقاط الهواجس الخاصة، وهي واحدة من طرق نشر الوعي معجونا بنشر الفرجة.

هل من كلمة أخيرة؟

علينا أن ننتبه إلى حساسية المرحلة التي تمر بها بلادنا، ضمن سياق عالمي محكوم بالمصالح والفخاخ، ويعمل كل طرف منا، على المساهمة في تحصين اللحظة الوطنية من أي انزلاق أو اختلال أو تراجع، ويأتي الفعل الثقافي الجاد والواعي والرصين والمستمر في طليعة الأفعال التي تساهم في تحقيق هذا التحصين/ الحصانة.

مقالات ذات صلة