الرأي

بيت الحكمة الجزائري يتأسس…

محمد سليم قلالة
  • 117
  • 0

الإعلان عن تأسيس المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، يُعد في تقديري بمثابة الإعلان عن تأسيس بيت لِلحكمة في الجزائر، لن يكتفي بجمع المواهب الوطنية في المهجر، بل سيُشكل إطارا ملائما لتعاضد هذه المواهب مع نظيرتها في الداخل من أجل الاستفادة ليس فقط من التطورات الأخيرة في المجال التكنولوجي عالميا إنما من مختلف المعارف الأخرى التي ستكون لها علاقة بالبناء الوطني في مختلف المجالات. 

لقد بُنيت الحضارات القديمة وحضارة اليوم على النخب العلمية. كانت الدول تتنافس لاستقطاب أفضلها في جميع الأزمنة، وهناك اليوم صراع محموم بين الصين والولايات المتحدة أساسا لاستقطاب هذه الكفاءات، يكفي أن لكل منها “فيزا” خاصة بهؤلاء في المجالات التي تحتاجها، نذكر هنا فقط R Visa الصينية لاستقطاب العلماء والخبراء الدوليين في مواجهة الفيزا الأمريكية   O-1A التي تستهدف ذوي القدرات الاستثنائية، كما نشير إلى البرنامج الصيني “ألف موهبة” الذي  أطلقته الحكومة الصينية سنة 2008 لاستقطاب كبار العلماء بما في ذلك غير الصينيين لمنافسة الولايات المتحدة.

ويكفي أن نعلم أن تايوان عندما أسست ما يُعرَف بـ”هسينشو بارك للعلوم” سنة 1989 عاد إليها من الولايات المتحدة 2840 عالم خلال 9 سنوات، كما وصل عدد الشركات التي أسسها عائدون من أمريكا 40% من إجمالي الشركات التايوانية سنة 1999! وذات الأمر بالنسبة للهند التي سلكت نفس المسلك للاستفادة من علمائها في الخارج، حيث أسّس المقيمون منهم في الولايات المتحدة أساسا، ما يُعرَف اليوم بوادي السيليكون الهندي (شبكة بانغالور الهند)، وأسَّست المكسيك سنة 2000 ما يُعرف بشبكة المواهب المكسيكية GlobalMx وحولتها في سنة 2013 إلى شبكة عالمية منتشرة في كل من الأمريكيتين وكندا وأوروبا وأستراليا، بل وحتى في افريقيا! وقس على ذلك بقية الدول التي تعمل جميعها على استقطاب مواهبها في الخارج، ثم المواهب العالمية الأخرى في مراحل متقدمة. المنهجية ذاتها لبيت الحكمة في عهد هارون الرشيد والمأمون، حيث كانا يكافئان العلماء بما يساوى وزن كتبهم ذهبا فضلا عن المكانة المرموقة التي يحظون بها لديهم.

ونحن اليوم بهذا المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج نكون قد وضعنا اللّبنة الأولى لهذا الصرح، خاصة وأن رؤية العلماء تكون دائما أوضح مما نتصور، فقد  صرح السيد زرهوني في أول لقاء للمجلس مع رئيس الجمهورية أن إشراك الجالية في مسار التنمية الوطنية لن يكون بمعزل عن العلماء والخبراء المحليين أو من دون تعاون ثنائي معهم، وهذا يُبرِز أهمية التكامل بين جميع أبناء الوطن للتعاون من أجل بنائه وفق رؤية استشرافية واضحة تمتد لعقود من الآن كما ذكر رئيس الجمهورية.

وفي هذا المجال  يبدو لي أن هذه الانطلاقة الواعدة  بعلماء من قطاع العلوم الصلبة، كالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيولوجيا والمعلوماتية والبيئة والجيوفيزياء والرياضيات… الخ، والتي تستجيب لمتطلبات التنمية العاجلة، ينبغي أن يتم استكمالها بانطلاقة أخرى من خلال إيجاد بيئة تعاون بين العلماء الجزائريين في المهجر وفي الداخل في مجالات التسيير والتنظيم والحوكمة والاستشراف، التي لها علاقة بتحديد الخيارات الكبرى للدولة وضبط الرؤية المستقبلية لها وتحسين كفاءة الأداء باستمرار.

إن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الصيني هو من ابتكار علماء اقتصاد واجتماع وسياسة وكذلك الخيارات الكبرى للولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى إنما كان لِنخبة علمائها في مجالات العلوم الانسانية، خاصة تلك المهيكَلة ضمن مراكز التفكير والجامعات الكبرى، وقس على ذلك بقية الدول التي تمكنت من تحقيق القفزة اللازمة لها للتقدم الشامل، جميعها اعتمدت نموذج دار الحكمة.

ونحن أولى بتجديد بيت الحكمة الذي صنع مجد حضارة مازال العالم يشهد لها بالمساهمة في تطويره إلى اليوم…

مقالات ذات صلة