الجزائر
مختصون يحذرون من رواج مراكز التدريب والاحتيال على التلاميذ

… بيع “الذكاء” بالملايين! 

وهيبة سليماني
  • 7838
  • 0

يتهافت الكثير من الأولياء هذه الأيام، على تسجيل أبنائهم في مراكز التدريب وتنمية الذكاء الخاصة، التي بدأت تعرف في السنوات الأخيرة انتشارا واسعا في الجزائر، فرغم الأعباء الثقيلة لمصاريف الدخول المدرسي، إلا أن شغف التميز والريادة للأبناء في المدرسة واعتلاء المراتب الأولى في الامتحانات الرسمية” البيام” و”البكالوريا”، يشغل الكثير من الأمهات والآباء المهووسين بـ”التفاخر”، والتباهي بالتفوّق الباهر لفلذات أكبادهم.

قوراية: تنمية الذكاء وتطوير مهارات الأبناء تحتاج لاهتمام الأولياء فقط

وإن كان هذا الإقبال مجرد تقليد للآخرين، إلا أن أغلب الأولياء، يتوقون إلى أن يوصف أبنائهم بـ”النوابغ”، وأن يروهم في مقدمة الصفوف وأسماؤهم تعلوا قوائم كشوف النقاط المدرسية، فلا يهم عند هؤلاء ما يدفعون من أموال إذا كانت هناك نتيجة تبهر وتغير مسار حياة أبنائهم.

حصص بمليون سنتيم للشهر!

وتقربت “الشروق” من بعض مراكز التدريب وتنمية الذكاء بالعاصمة، حيث رصدت مدى الاهتمام الذي يوليه بعض الأولياء لتدريب أبنائهم على التفكير الذكي والمهارات والحساب الذهني، ورغم أن بداية الدخول الاجتماعي احتاجت إلى بعض المصاريف لشراء الأدوات المدرسية، والألبسة للأطفال، إلا أن ذلك لم يمنع من التهافت على تسجيل الأبناء في أقسام هذه المراكز الخاصة التي تشترط مهلة معينة وتاريخا محددا هي الأخرى مثلها مثل مدارس دروس الدعم.

كل الأطفال يملكون “ذكاء خفيا” يظهر بزرع الثقة فيهم

وفي مركز ببوزريعة بالعاصمة، خاص بتنمية المهارات والذكاء، تم استقبال أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات إلى 16 سنة، للدراسة والتدريب في 3 مستويات لا تزيد مدة المستوى الواحد عن 4 أشهر، وهناك برنامج الحساب الذهني السوروبان الخاصة بأطفال بين 5 سنوات و15 سنة، وبرنامج “ابني يتذكر” لأعمار بين 8 سنوات و16 سنة، وبرنامج “ابني يفكر” حيث من خلاله يمكن إدماج الطفل المنعزل وجعله فعّال في عملية التفكير، والتركيز الجيد خلال الدروس.

ويدفع الأولياء مبالغ تصل إلى مليون سنتيم و3 آلاف دج عن المستوى الواحد الذي يدوم 4 أشهر كاملة وأحيانا شهرا فقط، حيث يستفيد أبناؤهم من حصة أو حصتين للتدريب أسبوعيا، ولا فرق في التكاليف بين من لديهم أطفال يعانون تأخرا ذهنيا وبعض المشاكل في التفاعل مع الآخرين والتفكير، والأطفال العاديين الذين يرغب أهلهم في أن يتميزوا بالذكاء ومهارات الحساب الذهني.

وقد لعب “الفايسبوك”، والرقمنة عموما، دورا في زيادة البحث عن التميز لدى الأبناء، والتباهي بالفوز في مسابقات الحساب الذهني الوطنية والدولية، وكذلك التفوّق الباهر في امتحانات “البيام” و”الباك”، الذي أصبح أحيانا، محلّ تباهي بين العائلات، ولفت الانتباه عبر منصات التواصل الاجتماعي، فكان لمراكز التدريب وتنمية الذكاء فرصة لاستقطاب الأطفال مع بداية كل دخول مدرسي.

الذكاء الخفي موجود عند كل طفل

وحول الموضوع، أكد البروفسور أحمد قوراية، خبير في الصحة النفسية، أن الحقائق النفسية التي يحملها الطفل في مرحلة الطفولة، تظهر في الملكات العقلية لديه، حيث يتميز بعض الأبناء في هذه المرحلة بالذكاء من دون أن يقوم الوالدان بجهود فعالة، ولكن بعضهم، حسب قوراية، يحتاج لتطوير عقله إلى سلوكيات إيجابية من طرف الأم والأب معا، فعندما لا يتحقق ذلك تجده منطويا مخفيا لذكائه.

وقال البروفسور أحمد قوراية، إن الأطفال الذين يحملون ذكاء غير ظاهر ويبدون صامتين ومنعزلين، أو بليدين ويعانون صعوبة في النطق، وخوف من المواجهة والاندماج والتفاعل، هم الذين يتعرضون لتجاهل من طرف أوليائهم، أو يستخف بذكائهم وهم يتعمدون الغباوة في الكثير من الأحيان.

القدرات العقلية والمهارات تعزز نفسيا

وفي نفس السياق، أوضح البروفسور أحمد قوراية، المختص في علم النفس والتنمية البشرية، أن الذكاء الخفي يحتاج لمرافقة نفسية، وليس لتدريب وحصص في مراكز خاصة، مضيفا “إن الطفل عندما يخرج القدرات العقلية السلوكية والمهارات، والمواهب يكون وراء ذلك الأولياء الذين يلعبون دورا قويا في العاطفة والمتابعة النفسية”.

وأشار إلى أن كل طفل يملك مثل هذه الأشياء ولكن المهارات النفسية السلوكية يظهر من خلال الوجدان الذاتي الموجود في الأم وطريقة زرع الثقة فيه لنزع عباءة الخوف عنه، حيث نصح الآباء والأمهات بإيهام أبنائهم أنهم هو اذكي الأطفال واشطرهم شريطة أن يتم علاج النقص في سلوكياتهم بطريقة لبقة وذكية.

وفي ذات الصدد، أكد البروفسور وناس امزيان رئيس قسم علم النفس وعلوم التربية والارطوفونيا في جامعة “باتنة1″، أن الطفل يحتاج في بداية مشواره الدراسي إلى تشجيع ومتابعة من طرف الأولياء، وإن أي كلمة عنيفة أو مقللة من شأنه أو تزرع فيه الشك سواء من ناحية السلوكيات أو التفكير والذكاء قد تترك أثرها في نفسه، عندما تصدر من الأم أو الأب.

وقال وناس امزيان، إن بعض التلاميذ يعانون من صعوبة النطق والخوف والعزلة بسبب كلمة واحد قيلت لهم من الأولياء، أوهمتهم أنهم أغبياء وفاشلين ولا يتكلمون جيدا، حيث حذر من هذه التصرفات التي تجعل الذكاء عند أبنائهم يتحوّل إلى غباء.

احذروا.. مراكز التدريب والذكاء قد تأتي بنتائج عكسية

ويرى البروفسور احمد قوراية، أن مراكز التدريب والتنمية في أغلبها ذات طابع تجاري تنافسي، وهمها الوحيد ربح الأموال، واستقطاب اكبر عدد من الأطفال، حيث يكمن الحل، حسبه، في العلاج النفسي وليس في التدريب، وهي نقطة يجب أن تهتم بها المدارس العمومية، من خلال توفير المختصين النفسانيين.

وحذّر قوراية من بعض مراكز التدريب وتنمية الذكاء، التي قد تأتي بنتائج عكسية، فيصبح الطفل الذي يملك ذكاء وفي وضعية ذهنية جيدة، مشوشا، وغير قادر على التركيز.

واستغرب ذات المتحدث، من اللجوء إلى مراكز التدريب وتنمية الذكاء، ودفع الملايين، في حين أن الحل بين يدي الأولياء الذين بمقدورهم زرع الثقة في أبنائهم بكلمات فقط، وجعلهم مميزين وفي المقدمة.

مقالات ذات صلة