جواهر
إظهار الحب في حياة الأزواج:

بين الاحتشام والابتذال.. أين تجد نفسك؟

نادية شريف
  • 6348
  • 14

لطالما كانت الأسرة الجزائرية محافظة بالدرجة الأولى فيما يتعلق بإظهار المشاعر والعواطف، فهي عموما تتميز بنوع من الاحتشام في العلاقة التي تطبع حياة الزوجين خصوصا أمام الأبناء أو الأهل والأقارب، حتى أن هذا الأمر أصبح جزءا من تقاليد حياتنا، لكن هناك من يرى في وقتنا الحالي أن ذلك الاحتشام أصبح من الماضي وليس هناك عيب من إبداء مشاعر الحب أمام الأبناء الناضجين ليزيدوا من روابط الأسرة، لأنهما يعيشان علاقة شرعية، وما بين الرأيين، كان لنا هذا الاستطلاع.

 

آباؤنا كانت مشاعرهم سرية      

غالبيتنا ترعرع في وسط أسري فيه إظهار مشاعر الحب بالكلمة أو اللمسة الرقيقة من المحظورات التي يحرم القيام بها خصوصا أمام الأبناء، فما بالك بالأقارب، فحتى أن اسم الزوجة كان آباؤنا وأجدادنا لا ينطقونه وينادونها باسم أبيها يا “بنت فلان”، وكانت أسرنا تتمتع باحترام كبير، تقول راضية “أتذكر أن أبي لم يكن ينادي أمي أبدا أمامنا ولا أمام أقاربنا ولا يظهر أي نوع من المشاعر”، تضيف أحلام “لليوم لم أرى والدي أمسك يد والدتي أو جاء بالقرب منها أو تكلم معها بحنية حتى أنهما لا يجلسان بالقرب من بعضهما، دائما أرى بينهما مسافة فاصلة”، وقد يصل الأمر ببعضهم أنه لا يبدي مدى حبه لزوجته إلا عندما تكون في حالة خطيرة أو عندما تموت، تقول “سميرة”: “لم أرى والدي يوما أظهر أمامنا مشاعر حبه إلا عندما كانت والدتي تحتضر، فقد كان يبكي لوحده عندما يرى معاناتها، كنت في كثير من المرات أخرج حتى لا أراه بتلك الحالة أو عندما يكون مع والدتي، كنا نتركهما لوحدهما، فهو لم يكن حتى في تلك الأثناء يجلس بالقرب منها أو يمسك يدها إلا عندما يكونا لوحدهما”.

 تلك هي بعض الصفات التي كانت تطبع علاقة آبائنا ببعضهم البعض، والواقع أن لهذه النظرة ما يبررها في ثقافتنا وحياتنا الاجتماعية، حيث تتمتع الحياة الأسرية بكثير من الاحترام والحرص، ولعل التأكيد على سمة الحياء، هو واحد من وجوه هذا الحرص، لأنه يغرس في نفوس الأبناء حالة من الانضباط والتهذيب الاجتماعي المطلوب خارج البيت وداخله فيستحيل أن نرى في أي أسرة جزائرية أو عربية، زوجين يتبادلان قبلة أمام أولادهما الكبار إلا في الأعياد والمواسم، وغالبا ما كانت القبلة على الجبين، ويندر أيضا أن يتصرف أي زوجين كعاشقين مغرمين يتبادلان عبارات الغزل الصريح، أو نظرات الرغبة والنهم الجنسي أمام أولادهما الصغار أو الشباب، وحتى لو كان هذان الأبوان في سن الشباب.

 “بيبي وحبيبي” … العقلية تبدلت

غير أن هذه العقلية أخذت في التغير شيئا فشيئا خصوصا في حياة الأزواج الجدد في السنوات الأخيرة، فقد صارت الحشمة بين الزوجين أمام باقي أفراد الأسرة، حالة تنتمي لماض بائد في نظر بعضهم خصوصا مع حالة الانفتاح الاجتماعي التي أخذت تفرض قيمها وصورها وسلوكياتها على حياتنا، وهي قيم أخذ يمارسها الشباب الذين ينتقلون تدريجيا لتأسيس الحياة الزوجية الخاصة بهم، وبالتالي الانتقال إلى مفهوم تكوين الأسرة وتربية الأولاد، وكأن المطلوب هو أن نجاري المجتمعات الغربية في حالة الانفتاح الجنسي داخل محيط الأسرة، فيغازل الزوج زوجته أمام الملأ، ولا يتحرج من بعض التلميحات التي تشي بالرغبة الجنسية وممارسة الحب، على اعتبار أن هذا كله مشروع ومحلل أساسا، بحكم شرعية العلاقة داخل إطار المؤسسة الزوجية، تقول “لمياء” متزوجة منذ ثلاث سنوات ولها ابن: “عندما تزوجت، دائما كنت ولازلت مع زوجي نتبادل عبارات الحب والمودة أمام أهالينا، وحتى عندما أنجبت طفلي لم نتغير، أكيد نحن لا نقبل بعضنا او نتكلم بعبارات تخدش الحياء، لكن نعبر عن حبنا لبعضنا البعض بشكل محتشم، ولا أظن أنني سأغير من طباعي حتى عندما يكبر ابني، فأنا أرى أن هذا الأمر مفيد في تقوية علاقتنا”، وتضيف قائلة “بالنسبة لي ولزوجي نرى بأنه كلما كنا متفاهمين وأظهرنا حبنا أمام أبنائنا كلما ازدادت قوة شخصيتهم وثقتهم، فنحن نسعى إلى زرع الاطمئنان والحنان في نفوس ابنائنا”، نفس الأمر تتحدث عنه “راضية” مخطوبة حديثا تقول: “تلك العقلية قديمة، فأنا أنادي خطيبي أمام أهالينا وأمام الناس بحبيبي، وعمري، وأعبر له دائما عن اشتياقي وولهي به حتى أنه يفرح بذلك ويفتخر به أمام الجميع ويغضب إن لم أدلعه وأغنجه، وبصراحة لم يعد في جيلنا من لا يعبر عن حبه”.   

سميرة فكراش: “إظهار الحب بين الأزواج صحي لكن في حدود محتشمة”

 في اتصال بالدكتورة “سميرة فكراش” بخصوص هذا الموضوع، تقول: “أن كثيرا من الأزواج في مجتمعاتنا يرون أن كل ما يمت إلى الحياة الجنسية بصلة، سواء تعلق بالملامسة أو التقبيل أو تبادل عبارات الغزل الصريح، يجب أن يكون محصورا على حالة الخلوة بين الزوجين، ويكاد يقتصر داخل جدران غرفة النوم، فلا يخرج عن حدودها المغلقة إلا في حالة غياب الأبناء عن المنزل، وهم بذلك يرسمون صورة محتشمة لأنفسهم في عيون أبنائهم، صورة لا يجب أن تخدش، كما كانت صورة آبائهم من قبل شديدة الرصانة والوقار”.
 وتضيف قائلة: “حين نناقش مثل هذه المبررات أو نقائضها، فلا بد أن نشير أن قيم العلاقات بين الزوج والزوجة داخل الأسرة قد تغيرت بالفعل في مجتمعاتنا في السنوات الأخيرة، وتحررت من تلك الصرامة الأقرب إلى التجهم في علاقة رب الأسرة بزوجته وأولاده، لكن هذا لا يعني أن هذا التغيير يجب أن يتم على حساب قيم الحياء والاحتشام في علاقة الأزواج أمام أولادهما، لأن هذا سينتج في النهاية جيلا يظن أن السلوك الجنسي أمرا مستساغا، وأنه ماعدا التعري من الملابس والجماع، كل شيء يمكن أن يتم أمام أعين الآخرين، كما أن الفتى اليافع أو المراهق لا يملك الوعي الكافي لإطلاق الحكم الأخلاقي الصحيح والواقعي على تصرفات أبويه في حال غياب التحفظ في علاقتهما العاطفية أو الجنسية، مما يجعله إما يطلق حكما سلبيا غير واع يهز صورتهما في وجدانه، أو يندفع لتقليدهما ومجاراة سلوكياتهما مع من هم في مثل سنه، فضلا عن أن تفتح مداركه الجنسية قبل الأوان، وهو شبيه بجهله بأمور الجنس حين يتطلب منه عمره أن يعرف”.
لهذا تلح محدثتنا على التأكيد أن الحياء قيمة هامة يجب على الأبوين على ألا يخدشاها في أعين أولادهم، حتى لو تطلب الأمر تحفظا يحرمهما بعض المتعة تحت أي ظرف من الظروف، كما أن الاحتشام ضرورة من ضرورات الحياة الأسرية، لا تزول بتغيير المفاهيم ونمط العلاقات الاجتماعية، وهي ليست تقليدا من تقاليد الماضي البائد، بل هي عنصر أصيل من عناصر شبكة العلاقات الأسرية العربية والإسلامية بكل ما تنطوي عليه من فهم عميق للحياة وضروراتها وقيم تماسكها ورقيها.

 

* نقلا عن اسبوعية الشروق العربي

مقالات ذات صلة