-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بين البحث العلمي‮ ‬والرداءة العلمية (1)

جمال ضو
  • 3905
  • 0
بين البحث العلمي‮ ‬والرداءة العلمية (1)

تداولت وسائل الإعلام منذ أسابيع تصريحا لوزير التعليم العالي‮ ‬مفاده أنه سيتم إلغاء شرط نشر مقالة علمية لمناقشة الدكتوراه،‮ ‬وكذلك هناك توجّه شبه مؤكد إلى إلغاء شرط نشر مقالة علمية للحصول على التأهيل الجامعي‮. ‬وهذا جاء تلبية لمطالب نقابات الأساتذة حسب ما تم تداوله‮. ‬

من الصعب أن‮ ‬يفهم المرء الطريقة التي‮ ‬يفكر بها المسؤولون عن قطاع التعليم العالي‮ ‬في‮ ‬الجزائر،‮ ‬فعلى الرغم من أن جميع المؤشرات تدل على انهيار تام لمستوى التعليم والبحث العلمي‮ ‬في‮ ‬الجزائر منذ سنوات عديدة،‮ ‬إلا أن هناك رغبة،‮ ‬فيما‮ ‬يبدو،‮ ‬في‮ ‬تسيير هذه الرداءة،‮ ‬بل ودفع الجامعة الجزائرية نحو رداءة أكبر،‮ ‬وربما تقنينها وحمايتها باللوائح والقوانين‮.‬

الهدف من هذه المقالة ليس مناقشة هذه القرارات التي‮ ‬جاءت لتُفرغ‮ ‬شهادة الدكتوراه من محتواها تماما،‮ ‬وربما تحوّلها إلى شهادة فخرية،‮ ‬إلا ما رحم ربك،‮ ‬ولا مناقشة تحويل مسألة التأهيل الجامعي‮ ‬إلى مجرد إجراء إداري‮ ‬بيروقراطي،‮ ‬لا‮ ‬يميز بين أستاذ وآخر،‮ ‬أو مجرد هِبة للجميع إلا من أبى،‮ ‬ولكن الهدف هو فتح موضوع ظاهرة خطيرة انتشرت في‮ ‬الأوساط العلمية الجزائرية منذ سنوات عديدة،‮ ‬وهي‮ ‬ظاهرة النشر العلمي‮ ‬المُخادِع والذي‮ ‬لا‮ ‬يمتّ‮ ‬للبحث العلمي‮ ‬الجاد والمحترم بصلة‮. ‬

وقد‮ ‬غدا هذا المسلك الطريق المتّبع تقريبا في‮ ‬قطاع عريض من أساتذة الجامعات للحصول على شهادة الدكتوراه،‮ ‬وكذلك في‮ ‬الترقية في‮ ‬الدرجات المختلفة،‮ ‬بل وصل الأمر إلى أن جامعات عديدة أنشأت مجلات داخلية في‮ ‬مجالات علمية وتكنولوجية وأصبح النشرُ‮ ‬فيها مقبولا كمعيار للترقية والحصول على شهادة الدكتوراه والتأهيل الجامعي‮. ‬هذه الظاهرة هي‮ ‬في‮ ‬الواقع أخطر وأكثر انتشارا من السرقة العلمية التي‮ ‬مازالت محصورة في‮ ‬نطاق محدود ويسهل كشفُها‮.‬

‬على الرغم من أن جميع المؤشرات تدل على انهيار تام لمستوى التعليم والبحث العلمي‮ ‬في‮ ‬الجزائر منذ سنوات عديدة،‮ ‬إلا أن هناك رغبة،‮ ‬فيما‮ ‬يبدو،‮ ‬في‮ ‬تسيير هذه الرداءة،‮ ‬بل ودفع الجامعة الجزائرية نحو رداءة أكبر،‮ ‬وربما تقنينها وحمايتها باللوائح والقوانين‮.‬

في‮ ‬الحقيقة،‮ ‬مسألة إنجاز البحوث العلمية كشرط للترقيات والحصول على الشهادات،‮ ‬مسألة‮ ‬يجب أن لا‮ ‬يختلف حولها اثنان في‮ ‬بلدان العالم الثالث،‮ ‬لأننا وبكل بساطة لا نمتلك معايير علمية داخلية ولا تقاليد ولا مرجعيات متفقاً‮ ‬عليها‮ ‬يمكنها أن تقيّم البحوث والجهود والإنجازات العلمية وخاصة في‮ ‬المجالات العلمية والتكنولوجية‮. ‬لهذا كان لزاما أن نلجأ إلى معيار خارجي‮ ‬محايد ألا وهو النشر في‮ ‬المجلات العلمية الدولية المُحكَمة،‮ ‬ولكن المشكلة التي‮ ‬أصبحنا نواجهها اليوم هي‮ ‬أن مصطلح‮ “‬المجلات العلمية الدولية المُحكمة‮” ‬لم‮ ‬يعد كما كان قبل عقود،‮ ‬بل‮ ‬غدا مصطلحا مائعا وسوقا اختلط فيه الغث بالسمين‮.‬

وللأسف،‮ ‬ومنذ عقدين على الأقل بدأت تظهر على الساحة مجلات علمية في‮ ‬كل التخصصات تقريبا،‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬الحقيقة أقرب إلى أوكار الدعارة ودكاكين النخاسة العلمية منها إلى مجلات علمية،‮ ‬فهي‮ ‬مجلات‮ ‬يؤسسها أشخاصٌ‮ ‬وهيئات مشبوهة،‮ ‬وليس لهم أي‮ ‬ماض علمي‮ ‬ولا إنجازات تُذكر،‮ ‬وهدفهم الرئيس هو إما جني‮ ‬المال‮ (‬وهذه السمة العامة‮) ‬أو صناعة شبكة علمية بعددٍ‮ ‬من المجلات التي‮ ‬تنسّق مع بعضها من أجل صناعة ما‮ ‬يعرف بعامل الأثر‮ ‬‭(‬Impact Factor‭) ‬ودخول قاعدة البيانات الشهيرة‮ ‬Thompson-Reuters‮  ‬والاستعانة بها في‮ ‬الترقيات وصناعة الوهم وتسويقه،‮ ‬ثم الانتقال إلى جني‮ ‬المال فيما بعد لأن الأمر صار سوقا تدرّ‮ ‬أموالا،‮ ‬وهناك‮  ‬دائما من هو مستعدّ‮ ‬لدفع مقابل مالي‮ ‬لينشر عمله‮.‬

تجدر الإشارة أولا إلى أن هناك مجلات تطلب مقابل النشر فيها مبالغ‮ ‬مالية من المؤلف‮. ‬ولكنها مجلات مرموقة جدا،‮ ‬بل ومن أفضل المجلات في‮ ‬تخصصاتها العلمية‮. ‬

السؤال الذي‮ ‬يطرح نفسه هو‮: ‬كيف نميّز هذه المجلات عن المجلات التجارية المحضة التي‮ ‬تغرق في‮ ‬الرداءة العلمية؟

في‮ ‬الحقيقة،‮ ‬لو كانت الضمائر حية والأمانة والكفاءة العلمية هي‮ ‬السيدة،‮ ‬فإنه‮ ‬يُفترض أن‮ ‬يكون كل أستاذ مطلعا على المجلات العلمية المحترمة في‮ ‬تخصصه وعلى تصنيفها،‮ ‬فهذا ليس بِدعا لمن مارس قليلا من البحث العلمي‮ ‬الجاد أو سأل أهل الاختصاص من الجادين‮. ‬كما أن المجلات العلمية المحترمة ليست كلها بالمستوى نفسه،‮ ‬فهي‮ ‬طبقات ومستويات‮: ‬منها الرفيعة جدا التي‮ ‬لا تنشر إلا عددا قليلا جدا من البحوث العلمية ذات المستوى‮. ‬وهنا ليس مطلوبا أن‮ ‬ينشر المرء بالضرورة في‮ ‬هذه المجلات،‮ ‬فليس كل الأساتذة علماء ومبدعين من الطراز الأول،‮ ‬ذلك أن الذين‮ ‬ينشرون في‮ ‬هذه المجلات هم ممن‮ ‬يمكن أن نسميهم طبقة‮ “‬الملوك العلميين‮” ‬والأمراء،‮ ‬وثمة أيضا فئة ثانية ممن‮ ‬يحصلون على أعلى الجوائز من نوبل وميدالية فيلدز وما حام حول حماها من التقديرات‮. ‬

غير أن هناك مجلات علمية عريقة كثيرة‮ (‬تصدر منذ عقود عديدة،‮ ‬ومنها ما‮ ‬يصدر منذ أزيد من قرن‮) ‬في‮ ‬كل التخصصات،‮ ‬ولديها معايير علمية محترمة،‮ ‬وأيضا مستوياتها متفاوتة،‮ ‬ومن‮ ‬ينشر فيها‮ ‬يعتبر باحثا علميا جادا،‮ ‬ومن المفترض أن هذه المجلات في‮ ‬متناول الباحثين الجزائريين الجادين‮. ‬كما أنه ليس ضروريا أن‮ ‬ينشر المرء عشرات المقالات فيها،‮ ‬بل‮ ‬يكفي‮ ‬أن‮ ‬ينشر مقالا كل سنة أو سنتين،‮ ‬ويحافظ على القيمة العلمية لما‮ ‬يُنشر وألا‮ ‬ينغمس في‮ ‬الرداءة‮ (‬فظروف العمل والبحث في‮ ‬الجزائر تختلف عن الغرب‮). ‬

تجدر الإشارة هنا إلى أن عددا لا بأس به من الباحثين الجزائريين‮ ‬ينشرون بانتظام في‮ ‬هذا المستوى من المجلات المحترمة حتى وإن لم‮ ‬يكن عددُهم كبيراً‮. ‬ولكن‮ ‬يبقى أن هؤلاء هم المنارة الحقيقية للبحث العلمي‮ ‬في‮ ‬الجزائر على الرغم من أنهم أناس لا‮ ‬يسمع عنهم أغلب الجامعيين في‮ ‬الجزائر،‮ ‬فهم عادة أقل صراخا ويعملون في‮ ‬صمت ولا تستهويهم الأضواء ولا المناصب ولا تضخيم عدد المقالات‮.‬

يُتبع…..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • Irnyane

    Moi je propose autre chose. Que toute personne qui veuille soutenir sa thèse de doctorat doive passer par une conférence internationale à l'étranger en qualité d'orateur et non pas de poster. Et là sans aucun doute on saura qui est vraiment digne d'être docteur ou pas. Puis au gouvernement de revoir les salaires et les conditions d'exercice à l'université et de fournir les moyens adéquats pour une recherche scientifique convenable. En moins de 10 ans l'Algérie sera un nouveau dragon aussi

  • معاذ

    ( 2 )
    و من ناحية اخرى، علمية بحت، فالباحث الذي لا يستطيع نشر مقالة او مقالتين او حتى ثلالث مقالات في المجلات العلمية المحترمة بعد اربع أو خمس سنوات من البحث و التنقيب، لا يمكن ان نطلق عليه اسم باحث، فالأولى ان يختار مهنة اخرى غير مهنة التعب و التجلّد و ً تكسار الرأس ً و المتمثلة في البحث العلمي ....

  • معاذ

    ( 1 )
    صدقت ايها الأستاذ و كلامك دقيق يدل على تمكنك و إلمامك الكبير بقضايا البحث العلمي، و إلغاء المقالة العلمية بالنسبة لطلبة الدكتوراه سيؤدي الى كارثة كبيرة و انحطاط اكبر في المستوى العلمي و الاكاديمي للجامعيين، خاصة انه معروف عندنا في الجزائر قلة التقيد بالاخلاق العلمية و الضوابط الأكاديمية الموجودة في الغرب و التي يعاقب عليها كل من يتنكر لها، بحزم و من غير رحمة ....

  • ثثث

    مقال موضوعي و إحترافي.

  • NAWEL

    للاسف هذا صحيح ولكن احسن من نشر مقالات مسروقة او فارغة المحتوى و لا تاتي بالجديد انما النشر لاجل النشر فقط مثل ما يحصل في قسم علم المكتبات بوهران حيث يقومون يتضخيم معدلات الماستر لطلبة دون المستوى من اجل تمكينهم من الفوز في مسابقة الدكتوراه لانهم يخافون من الطلبة الاذكياء لان معظم الاساتذة دون المستوى وبالتلي ليس باستطاعتهم تاطير اجيال والنهوض بالجامعةو اذا نظرنا الى الملتقيات فهي هدر للمال دون نتيجة

  • تزهامي بشير

    بداية أشكر الأستاذ جمال ضو على تسليطه الضوء على جزء من نذالة المسؤولين وعفن قطاعات حساسة بوطننا المسكين، وإني أرجو منه أن يلحق الانتقاده هذا بأسماء وعناوين المجلات المحترمة التي يمكن النشر فيها، وفيما يخصني المجلات التاريخية المحكمة .وجزاكم الله خيرا

  • العربي

    أعرف مجلات تسمي نفسها (مجلات علمية دولية محكمة) ، أصدرت في ظرف ما يقارب ( من باب المقاربة ) سنتين وبضعة شهور 17 عددا ؟؟ سبعة عشر ،نعم لأنّ الطلبات كثيرة ، وهامش الربح مضمون من خلال التعامل مع المطابع ، لأنّ بعض الجامعات تخلت عن طبع المجلات العلمية ومراقبتها والإشراف عليها ، لأنها ترى فيها شيئا إضافيا...الحاصل أن بعض مجلاتنا العلمية أصبحت جرائد شهرية؟

  • طالب علم

    صدقت ، كلامك صحيح ولاغبار عليه ،لكن أعتقد أن هناك الكثير من الأساتذة بإمكانهم العطاء ،سواء في المدرجات ،أو من حيث التأليف والكتابة ، لكنهم مرهقون بالعراقيل الإجتماعية والإدارية ، ولا أدل على ذلك من أستاذ جامعي يتنقل بين الشوارع والأزقة بحثا عن حمام أو نزل يأويه ، أما إذ استأجر ، فأجره لغيره - إن وجد- وأبناءه من مدرسة لأخرى فأنى لمثل هولاء أن يحسنوا آدائهم.....؟

  • محمد

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كلام اغلبه صائب
    انا احضر دكتوراه
    لدي كثير من الاطروحات الجادة في تخصصي لكن تحتاج الى مخابر وبنيات للتجارب لكنها غير متوفرة هنا
    ان الغش محرم في ديننا وخاصة ربما في تحصيل العلم لاننا اذا غششنا في العلم فاننا غششنا مفتاح الخزانة ولا حول ولاىقوة الا بالله

  • طالب دكتوراه

    صدقت......لكن هيهات ان تصدقك هذه الطبقة من اساتذة الجامعات الا من رحم ربي
    اصبحنا نبحث عن انزال المستوى العلمي لشهادة الدكتوراه و التاهيل ليتماشى و مستوانا الرديء مع انه كان الاولى ان نبحث عن الرفع من مستوانا العلمي لهذه الشهادات
    لكن هيهات...فجلنا نفكر من منطلق انا ومن بعدي الطوفان
    والله المستعان

  • دحمان

    أحسنت