بين النرويج والإمارات
يقولون إن أغنى بلاد العالم بعد التقلبات النفطية الأخيرة، التي رفعت الأسعار وألهبتها، هما مملكة النرويج ودولة الإمارات العربية المتحدة، ويتجلى الثراء في البحبوحة المالية التي يعيشها أهل البلدين إلى درجة التخمة في كل ضروريات وكماليات وملذات الحياة.
لكن المفارقة هو الاختلاف في التعامل مع هذه “النعمة” التي تحوّلت إلى أزمة ولّدت همّة في النرويج، يشعر فيها ابن البلد بالقوة والحرية، يسيّر حاله كما شاء، وأزمات أدت إلى الفحش و”التعنتر” في الإمارات العربية المتحدة، يشعر فيها ابن البلد بالرعب من زوال النعمة، ما يستوجب الاستعانة بدول كبيرة وكيانات كـ”البودي غارد”.
ما قامت به النرويج، الدولة الاسكندنافية خلال سنوات الإبادة الجماعية ضد أهل فلسطين، دولة وشعبا، يثير الاحترام، وما قامت به الإمارات، الدولة العربية المتحدة يثير الاشمئزاز.
أشدّ ما يؤلم سكان مملكة النرويج وحكامها، هو الثراء الفاحش الذي هبّت نسماته على البلاد، فقد بيّنت الدراسات أن الرخاء والرفاهية الذي تعيشه البلاد منذ عقود وخاصة في السنوات الأخيرة، علّم الناس بعض الكسل، وما عاد يدفع شباب البلاد للاجتهاد والبذل والاختراع كما كان حالهم منذ عقود.
وتعالت أصوات في النرويج من قلب الشعب نفسه، تطالب الحكومة بزيادة الضرائب وتخفيض الأجور، وعدم التسامح مع الغائبين أو المتقاعسين في أماكن عملهم، و مراقبة الطلاب غير المجتهدين، من أجل إرجاع الشعب إلى سابق عهده، مثله مثل شعوب الدول الاسكندنافية الجارة، كالسويد والدانمارك التي تعشق العمل والإبداع، وتساءل الرافضون والكارهون لحياة البذخ النرويجية عن خلو بلادهم من العلماء والأدمغة، وكانت في زمن سابق، بلادا مثل الصنارة تصطاد ما وجدته في النهر والبحر من علماء.
وعلى النقيض، تريد الإمارات العربية، بالمال فقط، أن تتعنتر على بلاد العالم، حارقة هذه الأموال في صحراء الساحل والسودان واليمن وليبيا والصومال وغيرها من البلاد، مؤسسة لميليشيات، ومسلحة لها، تريد أن تقسّم بلاد العالم وتقزمها حتى تصبح مجهرية كما هو حال خارطتها التي رُسمت في بريطانيا، كما رُسمت خارطة الكيان.
لقد مكّن المال والثراء بلاد النرويج في أن تكون سيّدة في قراراتها، فموقفها من القضية الفلسطينية أحسن بكثير من غالبية الدول العربية، وبعض هذه الدول، أي العربية، كلما ازدادت ثراء كلما ازدادت ذلا وفقدت حريتها ولنا في دولة الإمارات العربية المتحدة خير مثال، يسيّرها نتانياهو بسادية فاحشة وتطيعه بمازوشية مذلة، بينما منح الثراء النرويج حرية رأي وعدم التنازل عن المبادئ الإنسانية وتريد المزيد بالاعتماد على النفس أكثر من المال.
الخلاصة أن ثراء النرويج جعلها تتذكر جياع ومتشردي العالم، بينما جرّ ثراء الإمارات العربية المتحدة، قادتها، ليعلنوها تشردا عالميا لا ينتهي.
يقول المثل العربي: “المال عبد صالح، ولكنه سيّد رديء”، بمعنى إن ملكته نفعك وإن ملكك دمّرك.