العالم
على أي ساق ترقص تونس؟

بين تواصل الجمود وثورة ستعود!؟

الشروق أونلاين
  • 1559
  • 1
ح.م

“تونس ترقص على طار بوفلس”، هكذا جاء تعليق سائق سيّارة أجرة في تونس، بخصوص الوضع في بلاده، حين تراوحت الأزمة حسب رأيه، بين ما يراه من جمود تام في “الحوار الوطني” (طلب السائق وضع العبارة بين معقفين)، من جهة، حين لا يبدو بصيص أمل وسط تعدّد الوعود بحلّ لا يراه التونسيون، وكذلك ما هو قائم من “مهزلة” ضمن المجلس التأسيسي (أصّر محدثنا على لفظ “مهزلة”)، حين يذهب النوّاب في تعديل فصلين، ثمّ يتراجعون عن التعديل، بفعل الضغوطات التي أتاها الطرف المقابل.

دون أن ينسى محدثنا التعريج على الوضع في الشارع، سواء في مدينة ڤفصة حين أقدم “محتجون” (وفي رواية أخرى “خارجون عن القانون”) على حرق مقرّ حركة النهضة، في حين شهدت كلّ من مدينة ڤابس (الجنوب الشرقي) وسليانة (الشمال الغربي) مظاهرات وإضراب عام بسبب ما سمي العام الفارط “أحداث الرش”، علمًا أن قوات الأمن أقدمت حينها على إطلاق “الرشّ” على المتظاهرين، زمن كان علي العريض وزيرًا للداخليّة، وحاول حينها تبرير المسألة والتقليل من أهميتها، مع التذكير بالمواجهات التي لا تكاد تنقطع (حسب رأي مخاطبنا) بين قوّات الأمن والجيش و”أصحاب اللحيّ” (أيّ السلفيين الجهاديين).

حديث سائق سيّارة الأجرة، عرّج على التضخم الذي تعرفه البلاد في الأسعار، وذهب كثيرا في تفصيل حالته الشخصية بدءا بتراجع دخله الشخصي، وأنه يسعى إلى التخلّص من سيارته بأيّ ثمن في حال عثر على شغل قارّ في أيّ مؤسّسة، تضمن له ولأسرته دخلا قارا، وصولا إلى لعن السياسة ورفض السياسيين واعتبار “جميعهم” يلهث خلف الكراسي، ولم يقدم انجازًا لفائدة الشعب، على حدّ قوله. دون أن ينسى تبليغ قراء “الشروق اليومي” شكره للسيّاح الجزائريين الكرماء (حسب تأكيده) وتوجيه لوم (أخوي حسب قوله) إلى الدولة الجزائرية التي لا تستثمر فائض أموالها في تونس.

لا يمكن الجزم ـ من منظور علمي مباشر ـ بمدى نسبة التونسيين الذين يوافقون سائق التاكسي رأيه، ويتوافقون مع نفوره من السياسية، وأساسًا هذا الحرص على “الخبزة”، ضمن المعنى العام للكلمة، لكن المتجول بين شوارع العاصمة تونس وكذلك باقي مدنها، يلاحظ دون شكّ، تزايدا لمن صاروا أقرب إلى الحديث عن “الواقع” (الصعب والمرير أحيانًا) من الذين يركّزون على “الثورة” في بعديها الفكري أو التطبيقي.

لم يعد التقسيم الأكبر والأهمّ، يخصّ من هم “مع الثورة” ومن هم “ضدّ الثورة”، أو من هم “مع النهضة” أو “ضدّ النهضة”، بل السؤال الأهمّ من “لايزال يؤمن بجدوى الحراك السياسي”، ومن “لا يرون فائدة من السياسة”.

“الشروق اليومي” حاولت استقراء آراء بعض الفاعلين في تونس دون أن يكونوا ممّن يحملون همّا سياسيا مباشرًا، وإن كان الإجماع بين من خاطبنا حول انعدام الفوارق بين المجتمعين المدني والسياسي:

 

عائدة هي الثورة

الشاذلي الحمّاص: الأمين العامل لاتحاد التونسي للشغالين الشبان، يرى “أنّ العمق الشعبي الذي كان يهتمّ بكرة القدم زمن بن علي قلب اهتمامه إلى الشأن السياسي”، مضيفا أنّ اهتمام الناس شديد، لأنّ الجميع “يرى مستقبله ويبحث عن خلاص للوضع القائم”، وأنّ الجميع من “أحزاب سياسيّة ومكونات المجتمع المدني من جمعيات ونقابات، صارت تحصر اهتمامها في الشأن السياسي، لأسباب انتخابيّة بحتة”، متأسّفا “لعدم اهتمام الكلّ وخصوصا الجمعيات والنقابات بأمور ذات أهميّة قصوى كمثل الشباب وما يعاني من بطالة، وكذلك شؤون التنمية وأساسًا في المناطق المحرومة”، ويرى مخاطبنا أنّ الخطر كذلك يكمن في “اهتمام رجال السياسة بالشأن السياسي”، بسبب ما يراه من “رغبة هؤلاء في إنتاج رجال سياسة يخدمون مصالحهم (ضمن المعنى الحصري للكلمة)”، وعن العمق الشعبي يضيف أنّه لا يبحث سوى عن ثلاثيّة “الشغل والطعام والأمن”، التي صارت مفقودة أو هي بالأحرى تراجعت إلى مستويات أقل ممّا كانت عليه حين اندلعت الثورة، ومن ثمّة فإنّ “الثورة عائدة… ثورة فقراء، لأنّ أغلب الأغنياء، لزموا ديارهم عند الثورة”.

 

ثورة حقيقيّة هذه المرّة

شكيب الدحدوح: أمين عام مساعد مكلف بالإعلام، الرابطة التونسية للعمّال، يرى أنّ “الاهتمام الشعبي يأتي بدرجات متفاوتة، وهو في تقلّص منذ وقت الثورة” بسبب ما يراه من “انعدام الثقة بين الطبقة السياسية والعمق الشعبي، وتزايد التناقض بين الطرفين”، مضيفا أنّ من “مصائب تونس” ما يراه من “خلط شديد بين المجتمعين السياسي والمدني”، معتبرًا أن “وجود نقابة ضمن الرباعي الراعي للحوار” (ويقصد الاتحاد العام التونسي للشغل) جاء “سلبيا للتأثير على مصالح الطبقة الشغيلة”، لأنّ اتحاد الشغل “مجبر على تقديم تنازلات من أجل هذا الموقع السياسي”، مستدلا على ذلك “بالتأجيل المتواصل للمفاوضات الاجتماعيّة الخاصة بالزيادة في الأجور”، مؤكدا على “أنّ التأجيل أضر بالقدرة الشرائيّة، حين قضم التضخم المالي الزيادات السابقة، بل نزل بهذه القدرة إلى مستويات أقلّ”.

عن مستقبل “الحوار الوطني”، يرى شكيب الدحدوح “أنّ الحوار هو الذي سيخلف الحوار، في حلقة مفرغة أشبه ما تكون بالثعبان الذي يلتهم ذيله، في تغافل من الطبقة السياسيّة (المشاركة في هذا الحوار) عن المشاكل التي طرحها الشعب عند انفاضته”، لذلك لا يستغرب “اندلاع ثورة حقيقيّة هذه المرّة”…

 

طبقة فاسدة بأكملها

الصحبي العمري: ناشط حقوقي وأحد الكتاب المشهورين على الفايسبوك، يرى أنّ “النفور قائم من السياسة” بسبب ما يراه “عدم ثقة العمق الشعبي سواء في الترويكا أو المجلس التأسيسي أو حتّى المعارضات”، حين يعتبر أنّ “الطبقة السياسية الراهنة كانت في صفّ المعارضة زمن بن علي”، وهي حسب مخاطبنا “من ساهم في إطالة حكم بن علي”، مضيفًا أنّها “تطيل فترة الانتقال الديمقراطي”، لأنّها (والكلام له) “تتمعرش من الانفلات بجميع أشكاله”، مستخلصا “أنّ لا انتخابات قبل 2018” بسبب ما يعتبره “تعطّش الترويكا للحكم”. 

يعتبر الصحبي العمري “أنّ التداخل بين المجتمعين المدني والسياسي، لا يأتي عفويا، بل مقصودا ومتعمدا، حين يواصل الفرقاء الصراع من خلال الجمعيات والنقابات”، معتبرا ما يراه “استنساخا للجمعيات، مجرّد وسيلة لا غير لتمويل الأحزاب من المال الفاسد وكذلك المال الأجنبي”.

خلاصة الأمر حسب محدثنا أنّ “الشعب سيعيد عبارة “ديڤاج” الشهيرة في وجه الطبقة السياسية برمتها وخصوصا حكومة الترويكا الحاكمة راهنًا”، لأنّ “أهالي شهداء الثورة لم ينالوا حقهم كاملا وكذلك جرحى الثورة”، معتبرا أنّ “الحق ليس ماديا، بل اعتباريا عجزت عنه الحكومات المتعاقبة عن تصوره كما يجب”، مضيفا “أنّ الشعب برمته سيخرج في مظاهرات عارمة لا دخل لأحد من التنظيمات الحزبية والنقابية فيها”، معتبرا “أن هذه التحركات لن تتوقف سوى حين تسقط الطبقة السياسية برمتها”.

مقالات ذات صلة