-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بين رابح ظريف وآيت حمودة

حسين لقرع
  • 3660
  • 4
بين رابح ظريف وآيت حمودة

في جانفي من سنة 2020، كتب مديرُ الثقافة لولاية المسيلة، الأديب والكاتب رابح ظريف، منشورا له على “فايسبوك”، يتّهم فيه القائد عبّان رمضان بـ”الخيانة والعمالة” لفرنسا، فأقيل من منصبه فورا، وقُبض عليه بسرعة ليودع السجنَ الاحتياطي، وحُكم عليه لاحقا بستّة أشهر حبسا، ثلاثة منها نافذة، وكانت الحادثة الدافعَ الرئيسي لإصدار قانون الوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما، ولو صدر هذا القانونُ من قبل، للبِث ظريف في السجن بضع سنين. كما تحرّك الكثيرُ من العلمانيين وانتقدوا الكاتبَ بشدّة واتّهموه بـ”المساس بأحد رموز الثورة” و”المساس بوحدة الوطن” و”زرع الكراهية”…

اليوم، يُقدِم نور الدين آيت حمودة، على التطاول الصارخ على ثلاثة زعماء تاريخيين وهم الأمير عبد القادر ومصالي الحاج وهواري بومدين، ويصف في فضائية جزائرية الأولَ بـ”الخائن” والثاني بـ”الحركي” والثالث بـ”الخبيث”، ومع ذلك لا تتحرّك السلطاتُ ضدّه بالسرعة والصرامة والحزم ذاته الذي تحرّكت به ضد رابح ظريف منذ سنة ونصف سنة، واكتفت بالإيعاز إلى جهات أخرى لتُقاضي آيت حمودة الذي لا يزال حرّا طليقا، ونخشى أن لا تتجاوز عقوبتُه حبسا موقوف النفاذ وغرامة مالية.

وفي الوقت نفسه، فإن العلمانيين والفرنكفيليين الذين صدّعوا رؤوسنا بالحديث عن “جريمة المساس برموز الثورة ووحدة الوطن” و”زرع الكراهية” في قضية رابح ظريف، قد غيّروا الآن خطابهم بـ180 درجة، لأنّ الطَّاعن في هذه الرموز هذه المرة، هو أحد المحسوبين على تيارهم، والمطعون فيهم محسوبون على التيار الوطني والعروبي، لذلك لم يروا في تجريم الأمير ومصالي وبومدين وتخوينِهم والقدحِ فيهم، أيَّ “مساسٍ برموز التاريخ والثورة”، وطفقوا يروِّجون لخطابٍ آخر مختلف تماما مفاده أنّ ما ذكره آيت حمودة هو “الحقيقة التاريخية” التي ينبغي أن نكشفها ونقبلها بهدوء وبلا انفعال، وندّدوا بالحملة ضدّ ابن عميروش واعتبروها محاولات لـ”تكميم الأفواه”، علما أنّ نشطاء هذا التيار قد “تخصّصوا” مؤخرا في الطعن في تاريخ البلاد؛ فهم لا يفتئون يجرِّمون الفتوحات الإسلامية لشمال إفريقيا، وينتقون فقراتٍ من جرائد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الثلاثينيات من القرن الماضي، التي جاءت مهادِنة لفرنسا ولغتِها وحضارتها، لاتقاء شرّها ومنعها من حلّ الجمعية، ويعيدون نشرَها في شتّى المواقع لتشويه صورة الجمعية وشيخِها عبد الحميد ابن باديس رحمه الله، كما لم يتركوا شخصية ثورية كبيرة تنتمي إلى التيار الوطني إلا وطعنوا فيها، فلم يكد يسلم من لسانهم أحد إلا من وافق إيديولوجيتهم وهواهم.

نحن لسنا مع تقديس الأشخاص، فهم يصيبون ويُخطِئون، ونعتقد أنّ الأمير عبد القادر ومصالي وبومدين قد قدّموا الكثير لبلدهم، وأخطئوا أيضا ككلّ البشر، لكنّ أخطاءهم لا ترقى إلى درجة الخيانة والعمالة لفرنسا، ثم إنّ المؤرّخين هم وحدهم من يستطيع الخوض في هذه المواضيع الحسّاسة، وليس العامّة والغوغاء أمثال آيت حمودة الذي تحرّكه أحقادُه لا أكثر ولا علاقة له بالبحث العلمي التاريخي، وينبغي أن لا يفلت من العقاب لتحقيق المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، فضلا عن ضرورة إظهار قدرٍ كبير من الصرامة في مكافحة خطاب التمييز والكراهية الذي بدأ يُحدِث هوّة بين الجزائريين في السنوات الأخيرة ويُنذر بعواقب وخيمة على الوحدة الوطنية إن لم يحارب بكلّ جدّية وحزم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • سليم خيراني - أستاذ جامعي

    بارك الله فيك أستاذ وفي مقالك الصائب والدقيق الذي شخّص العقدة عند العلمانيين الانفصاليين الفرنكوفليين ، حيث تقوم القيامة عندهم عندما تُذكر شخصية محسوبة على تيارهم بسوء، وأما إذا تعلق الأمر بالشخصيات العروبية الإسلامية يسكتون سكوت المقابر، حسبنا الله ونعم الوكيل، حفظ الله الجزائر واحدة موحدّة غير قابلة للتقسيم بِعَلَمٍ وطني واحد وحفظ الله الشعب الجزائري ورئيسه وجيشه وسائر بلاد المسلمين - آمين

  • أحمد أبوبكر عمر

    عندما يكال بمكيالين في دولة العدل والقانون ،فأعلم أنها ليست دولة عدل ولا قانون.

  • رزاق

    كارثة اذا كانت العدالة تمارس على اساس جهوي

  • عمر عمران

    يا استاذ حسين.. منذ فجر تاريخ الديموقراطية هناك مجموعة تتستر وراء العلمانية والحداثة والعصرنة وتستغلها لتحقيق اهدافها تماما كما يستغل آخرون الوطنية او الدين.. في جميع المجتمعات حتى الغربية منها.. والسلطات في العالم العربي حريصة على إرضاء تلك المجموعة للظهور بمظهر الحداثة ولا تلجأ إلى تقليم اظافرها الا اذا شكلت خطرا مباشرا على مصالحها