-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بين 1956 واليوم: هل تعيد حرب إيران رسم النظام الدولي؟

بقلم: د. بلال اللقيس
  • 40
  • 0
بين 1956 واليوم: هل تعيد حرب إيران رسم النظام الدولي؟

تأملت عميقاً فلم أجد نموذجاً أقرب للحرب الجارية على إيران من العدوان الثلاثي على مصر 1956، كثير من دوافع وظروف وسياقات هذه الحرب يشبه إلى حد بعيد نظيرتها في حرب 56، لا يعني أنه لا يوجد فارق، فلا يوجد في السياسة تطابق تام، كان نقول إن ثورة عبد الناصر كانت وليدة حينها، بينما إيران الدولة- الثورة هي حالة راسخة متجذرة ولديها امتداد فكري وسياسي مقاوم مماسس خاض لسنوات طوال أشكالاً مختلفة من الحروب والمواجهات، فهو مصقول جداً وليس أمره عاطفياً فحسب.

لقد كان القرار السيادي الذي اتخذه الرئيس عبد الناصر ربطاً بثورته التي لاقت تأييداً شعبياً عارماً من الشعوب العربية التواقة لنموذج تحرري سيادي يعلي من محورية العدالة الاجتماعية ويستعيد الكرامة العربية المهدورة وأنظمة التبعية. وكانت كل من بريطانيا وفرنسا على خوف من زعامة الرئيس العربي الأكثر شعبية وعلى طروحاته السيادية، ومنها تأميم قناة السويس والإفادة من عوائدها بإنشاء السد العالي وغير ذلك من مشاريع التنمية ودعم الطبقة الفقيرة. ولقد كانتا من متن العصر الإمبراطوريات الاستعمارية التي أوشكت أن تأفل، ولم تكونا جاهزتين أن تقبلا هذه الحقيقة، بل تظلّان وتحرصان على قدرتهما على إعادة إنتاجه، بينما كانت دول كبرى أخرى تنتظر لحظة استثمار صعودها كالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والتقدم إلى ساحات جديدة، أي الانتقال إلى نظام دولي جديد يعكس واقع موازين الحرب العالمية الثانية ونواتجها. لقد كان أن فوجئ العدوان ببسالة مصر وجيشها وحميته، وفوجئ برتابة قدراته العسكرية التي فشلت أن تحسم بالسرعة المطلوبة، وفوجئ بعدم تغطية أميركا له، فضلاً عن أنها استغلت الفرصة لتعزيز نفوذها وتقديم نفسها بخطاب جديد بعيداً عن أدبيات النظام الدولي السابق، أي النظام الإمبراطوري، فعملت هي والاتحاد السوفياتي على نظرية تحرير الشعوب من الاستعمار التقليدي، إن بعنوان الحرية أو العدالة الاجتماعية، فتعزيز نفوذهما على أثره، وكانت عملياً حرب 56 هي لحظة خروج بريطانيا وفرنسا وتدهور نفوذهما من المنطقة لحساب آخرين.

إذن لقد كانت أزمة فرنسا وبريطانيا الرئيسية هي محاولتهما تجديد شيء صار من الماضي، أي نظام القرن التاسع عشر، ولم يحيطا جيداً بالعالم الجديد الذي تغير أو كان يتحول بسرعة. بكلمة أخرى لم يعرفا الزمان جيداً، كما أخطأا تقدير المكان، أي مسرح العمليات والجهة التي يواجهونها، فظنوا أن العسكرة هي التي ستحسم الأمور، ففوجئوا بعجزهم العسكري كما قلنا، وفوجئوا بعوامل الرأي العام والسياسة والاقتصاد وغيرها من التي أثرت على مجريات الحرب وأدت إلى إنهائها من دون تفاهمات مكتوبة، بل بتغير فهم كل طرف لحدود قوته وتأثيره والدومينو الذي خلفه على غيره أو على آخرين.

إن استخدام أدوات قديمة في عالم جديد كانت تسير إليه البشرية كان أيضاً نقطة ضعف كبيرة، بينما استغلت كل من أميركا والاتحاد السوفياتي الفشل وسوء التقدير ليعيدا إنتاج نظام القطبين ويكرسا نفوذهما، في حين اتجهت دول أخرى للتمايز بعد النجاح المصري عبر تعزيز منظور دول عدم الانحياز، وتعدلت مفاهيم كثيرة، منها أن أصبح يُنظر إلى الجيش كصمام أمان وضامن ومستعيد للكرامة الوطنية، فقوي موقع الجيش والمؤسسة العسكرية في التأثير بالسلطة وصولاً للإمساك بها في غالب الأقطار العربية، وتبع ذلك شعور عارم بإمكانية مواجهة النفوذ الاستعماري لقوى الهيمنة القديمة عند الشعوب المستعمرة، فتحركت الثورات والانقلابات في أكثر من قطر، وأعيد إنتاج المنطقة والعالم وفق موازين جديدة اكتشف فيها كل من قوى الاستعمار التقليدي حدود قدرتهما ودورهما، فتراجعاً وانفتح الأفق لقوى إقليمية ودولية جديدة. ولا ننسى أن عدم قانونية الحرب على مصر حركت المؤسسات الدولية وحركت الرأي العام، فكانت أشهراً قليلة سرعان ما شعرت بريطانيا وفرنسا خلالها بالضغوط المختلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وداخلياً وفي الرأي العام، فتوقفتا عن الحرب وانكفأتا.

رغم وجود فروق كما نبهنا، لكن أيضاً هناك من الشبه الكثير، وهناك من عناصر القوة والمنعة في جبهة المقاومة وإيران لم تكن متوافرة لمصر عبد الناصر حينها، فنحو خمسة عقود من التجربة والبناء رسخت العقلانية ومأسسة المنهج ووحدت وعمقت الفهم في مختلف ساحات المواجهة، ناهيك عن أنها كانت كفيلة لبناء قدرة إستراتيجية وعسكرية فعلية فاجأت الجميع من دون استثناء، وجمعت التجربة المقاومة العربية إلى الإسلامية إلى التجربة الإسلامية لإيران التي تمتلك أيضاً بعداً حضارياً ضارياً وعقلاً بعدة طبقات.

الأدوات واللحظة التي خاضت فيها أمريكا والكيان الصهيوني حربهما على إيران هي أشبه باستخدام أدوات من زمن مضي ومحاولة استعادة هيمنة لأحادية قد أفلت وانتهت، لكنهما يريدان إعادة إحيائها بالقوة أو نظرية السلام بالقوة كعنوان للنظام العالمي الجديد. ترامب وإدارته لم يفهموا العالم بشكل جيد، لا الغرب ولا الشرق ولا الخليج ولا عدوّه، أي إيران، فوجد نفسه وحيداً، ليس كأميركي فقط، بل أيضاً دخل حربه في ظل انقسام حاد واستقطاب غير مسبوق في الداخل الأميركي أصاب مؤخراً الحزب الجمهوري نفسه. ثانياً فوجئ هو وإسرائيل بقوة إيران وحلفائها وقدرتهم على الرد، بل إنهم فاجأوا أميركا عسكرياً وفاجأوها بتوسعة فضاء الحرب إلى ميادين أخرى، أي إلى الاقتصادي والسياسي والقانوني والرأي العام حتى داخل أميركا، وجروا أميركا إلى الاستنزاف، أي إلى حيث يريدون، وفاجأوها بقدرتهم على احتواء الضربة الأولى الأخطر حين أعادت المؤسسات القوية استبدال القيادة من دون أي خلل يُذكر، بل أعادت المؤسسات المحتشنة شعبياً تحويلها إلى نقطة قوة وزخم وتعاطف شعبي نادرين، انعكس ذلك لحمة وحضوراً في الميادين وتصلباً في الموقف، فصرنا أمام جمهورية ثورية جديدة فتية أشد وأصلب، بل وساعد التصرف الأميركي في دفع إيران إلى الغموض النووي على غير ما أصرّت عليه سابقاً من إعلانها بحرمة القنبلة النووية. ولم تكن كل من روسيا والصين بعيدتين عما يجري، بل هما في قلب الحدث ولو أنهما لم تتخطيا، ويعود ذلك لقدرة إيران على التصدي والردع منفردة، فهما تكتفيان بالمراقبة والاستثمار والمساعدة المحدودة حيث يمكن. أما الخليج فوجد نفسه من دون غطاء ووجد استقراره في ظل أميركا تذروه الرياح، ما سيدفعه لإعادة تشكيل رؤيته للأمن والمسارعة في ذلك، بينما ستتقدم إيران باعتبارها الدولة الوحيدة في العالم التي استطاعت أن تردع أميركا وتُضعف نفوذها في المنطقة وتُسقط هيبتها عالمياً وسطوتها، وهذا سيفتح المجال واسعاً لحضور لاعبين جدد في المنطقة للاستثمار والبحث عن أدوار كالدول الأوروبية أو سيهيئ لإنتاج تصور أمني واقتصادي وتعاوني مختلف للإقليم. أما إسرائيل فستدخل في مرحلة الجزر بعد وهم التمدد، وسيعطي ذلك مزيداً من الشرعية لفكرة التعبئة العامة إلى جانب القوى الرسمية للدفاع عن البلاد وحفظها، وهذا ما سيؤدي إلى أهمية نقاش رؤى الأمن الوطني على أساس تكاملي بين المجتمع والقوى العسكرية الرسمية، وحتماً سينفتح أفق كبير لتوافقات وتفاهمات إقليمية كلما ابتعدت أميركا وتراجعت إسرائيل واستعدنا ما أمكننا من سيادتنا المهدورة على أعتاب البيت الأبيض. عالم جديد وليس فقط إقليم جديد ينتظرنا، المهم أن ننجز هذه المهمة من دون تراجع وبتصميم وثبات عاليين، وليس لدي أدنى شك أن لحظة الانتصار ستكون صفحة تسامح وانفتاح تقدمها جبهة المقاومة للجميع والوئام، فلا يوجد في قاموس جبهة المقاومة تسيد ولا فرض، إنما مشاركة وإرادة تكامل لبناء حضاري إيماني، وغداً لناظره قريب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!