تأملات في مشروع قانون الاستثمار الجديد (الجزء 2)
أولا- الناحية الموضوعية لمشروع هذا القانون “المحاسن والإيجابيات”:
لقد حاول مشروع هذا القانون معالجة الكثير من الإشكاليات المعقدة التي تقف حجرة عثرة في سبيل الاستثمار (1-التسيير التقليدي “البيروقراطي” للنظام المصرفي والمالي والجمركي والضريبي والبنكي والتأميني والعقاري الجزائري مع تحركه البطيء بشدة”في حوكمته وانخراطه ضمن الآليات والتدابير والإجراءات التي تستخدمها وتعمل بها المنظومات والأنظمة الحديثة أو العصرية.
2-الصورة القاتمة عن الاقتصاد الجزائري الذي ارتبط لسنوات بالاستيراد، فالمؤشرات السلبية التي علقت بمناخ الاستثمار تمثلت “في ضعف تسيير الهيئات الإدارية الاقتصادية وصعوبة الولوج إلى الخدمات العمومية، فضلا عن ضعف التأطير والتأخر الشديد في الوصول إلى المعلومة.
3-ملف العقار الصناعي، الذي يبقى مرهونا بجاهزية النص “المرسوم التنفيذي” المنظم للوكالة الوطنية للعقار والذي يتطلب عموما إجراءات لتسهيل نيله من طرف المستثمر، منها رفع يد الولاة ومسؤولي الإدارة عنه، واكتفاء الجهات المؤهلة التي يقرّها مشروع القانون الجديد (اللجنة العليا لدى رئاسة الجمهورية، والوكالة الوطنية للعقار الصناعي، بالفصل في الطعون الخاصة بهذه العملية، إلى جانب الشباك الوحيد المركزي.
4-قانون القرض والنقد الذي سيحدّد كيفيات تحويل الأرباح للمتعاملين الأجانب، ومنح توضحيات أكبر حول القطاعات ذات الأولوية في الاستثمار، وتاريخ صدور النصوص التنظيمية المؤطّرة للتشريع الجديد…). وقد وفق إلى حد كبير في فك طلاسم كل ذلك وهو ما نعتبره من المحاسن والإيجابيات “المهمة جدا” التي ينبغي الإشارة إليها والتنويه بها عاليا لاسيما من حيث:
أ-تكريس مبادئ وأسس مهمة جدا مثل: أ-حرية الاستثمار باختيار نوع ومكان الاستثمار الملائم على أن يكون ذلك في ظل احترام التشريع والتنظيم المعمول بهما، ب-الشفافية بأن تكون جميع النصوص القانونية “التشريعية والتنظيمية” واضحة “ليس فيها أي غموض يتطلب أي تأويل”، مستقرة “لمدة عشر سنوات على الأقل”، والوصول إليها سهل ومضمون تحقيقا للأمن القانوني وأيضا بأن يكون التنصيص على آليات فعالة وشفافة من خلال وضع شبابيك وحيدة وأرضيات أو منصات رقمية وطنية في متناول الاستثمارات الأجنبية والوطنية الكبرى وأخرى محلية “غير ممركزة” في متناول المستثمرين المحليين، وتعزيز صلاحياتها عبر تأهيل ممثلي الإدارات والهيئات المعينين لديها، ج-المساواة في التعامل مع الاستثمارات من خلال عدم التفرقة بين المستثمرين الأجانب والمحليين “الوطنيين” المقيمين وغير المقيمين وكذا بين الأشخاص الطبيعيين والمعنويين… علما أن هذه الأسس والمبادئ تم النص عليها في المواد 1، 3، 6، 7، 8، 9، 10، 11، 12، 13، 14 وفي عرض أسباب مشروع هذا القانون، وقبل ذلك جاءت وفقا لالتزامات رئيس الجمهورية المتعلقة بالميدان الاقتصادي، خاصة الالتزام السادس عشر الحريص على تحسين مناخ الأعمال وتشجيع كل الاستثمارات بما فيها طبعا الاستثمارات الأجنبية، لاسيما عبر تبسيط وتسهيل تدابيرها وإجراءاتها. كما جاءت تطبيقا للمواد 9، 17، 34، 35، 37، 61 من الدستور الحالي. ونعتقد أن كل ذلك من أجل: -استدراك الاختلالات وتصحيح الأخطاء المسجلة في القوانين السابقة، -محاربة آفة البيروقراطية من خلال رقمنة كافة التدابير والإجراءات ذات الصلة بعمليات الاستثمار (استحداث منصة رقمية للمستثمر)، -مواكبة للسياسات والآليات الدولية التي تؤطر الاستثمار، -استرجاع ثقة المستثمرين وبالتالي الانطلاق بسرعة في تحريك عجلة التنمية الوطنية نحو آفاق رحبة من التطور والرخاء.
ب-رسم الغايات التي يرمي المشرع إلى تحقيقها وحصرها في سبع هي:
-تطوير قطاعات النشاطات ذات الأولوية وذات قيمة مضافة عالية، -ضمان تنمية إقليمية مستدامة ومتوازنة، -تثمين الموارد الطبيعية والمواد الأولية المحلية، -إعطاء الأفضلية للتحويل التكنولوجي وتطوير الابتكار واقتصاد المعرفة، -تعميم استعمال التكنولوجيات الحديثة، -تفعيل استحداث مناصب الشغل الدائمة وترقية كفاءات الموارد البشرية، -تدعيم وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني وقدرته على التصدير. (م2).
ج-تحديد الاستثمارات الخاضعة لأحكام مشروع هذا القانون
لقد تم تحديد الاستثمارات الخاضعة لأحكام مشروع هذا القانون وهي الاستثمارات المنجزة من خلال: -اقتناء الأصول المادية وغير المادية التي تندرج مباشرة ضمن نشاطات إنتاج السلع والخدمات في إطار استحداث أنشطة جديدة وتوسيع قدرات الإنتاج و/أو إعادة تأهيل أدوات الإنتاج، -المساهمة في رأسمال مؤسسة في شكل حصص نقدية أو عينية، -نقل أنشطة من الخارج. (م4).
د-ضبط المفاهيم وتحديد المصطلحات المتعلقة بالاستثمار:
لقد تم توضيح المقصود ب: -المستثمر على أنه: “كل شخص طبيعي أو معنوي، وطنيا كان أو أجنبيا، مقيم أو غير مقيم، بمفهوم التنظيم الخاص بالصرف، ينجز استثمار طبقا للقانون الساري المفعول”، -والمقصود ب استثمار الإنشاء على أنه: “كل استثمار منجز من أجل إنشاء رأسمال تقني من العدم باقتناء أصول قصد استحداث نشاط السلع و/أو الخدمات”. -والمقصود ب استثمار التوسع على أنه: “كل استثمار منجز بهدف رفع قدرات إنتاج السلع و/أو الخدمات عن طريق اقتناء وسائل إنتاج جديدة تضاف إلى تلك الموجودة”. -والمقصود ب استثمار إعادة التأهيل على أنه: “كل استثمار منجز يتمثل في عمليات اقتناء سلع و/أو خدمات موجهة لمطابقة العتاد والتجهيزات الموجودة قصد معالجة التأخر التكنولوجي أو بسبب الاهتلاك لقدمها والتي نؤثر عليها من أجل رفع الإنتاجية أو إعادة بعث نشاط متوقف منذ ثلاث سنوات على الأقل”.-والمقصود ب نقل أنشطة من الخارج على أنه: “عمل التحويل الذي تقوم به مؤسسة خاضعة للقانون الأجنبي، لكل أو لجزء من أنشطتها من الخارج إلى الجزائر”.(م5).
ورغم الأهمية القصوى لكل هذه المفاهيم والمصطلحات إلا أن تأخيرها بوضعها في المادة 5 منه بدلا من التنصيص عليها في مادته الثانية على الأكثر وفقا لما جرت به العادة في سن القوانين “النصوص التشريعية والتنظيمية”، ربَّما قد يشكك في أهميتها هذه لاسيما من حيث تراتبيتها التشريعية.
ه-وضع إطار مؤسساتي وهيآتي منسجم وفعَّال:
لقد نص مشروع هذا القانون على أن الإطار المؤسساتي والهيآتي للاستثمار يتكون من: 1-المجلس الوطني للاستثمار كجهاز استشاري يوضع لدى رئيس الجمهورية ويكلف ب: -اقتراح إستراتيجية الدولة في ميدان الاستثمار والسهر على تناسقها الشامل وتقييم تنفيذها، -إعداد تقرير تقييمي سنوي يرسله إلى رئيس الجمهورية (م 17 من المشروع زائد م 18 من الأمر رقم 01-03 المؤرخ في 20 غشت سنة 2001 المعدل والمذكور أعلاه). 2-الوكالة الجزائرية للاستثمار “وضعها مكان الوكالة الوطنية للاستثمار(ANDI) وهي مؤسسة عمومية ذات طابع إداري تكون في خدمة المستثمرين الوطنين المقيمين وغير المقيمين والأجانب، إذ تكلِّف بالتنسيق مع الإدارات والهيئات المعنية ب: -ترقية وتثمين الاستثمار في الجزائر وكذا في الخارج وجاذبية الجزائر، بالاتصال مع الممثليات الدبلوماسية والقنصلية الجزائرية في الخارج، -إعلام أوساط المال والأعمال وتحسيسهم، -ضمان تسيير المنصة الرقمية للمستثمر، -تسجيل ملفات الاستثمار ومعالجتها، -مرافقة المستثمر في استكمال الإجراءات المتصلة باستثماره، -تسيير المزايا بما فيها تلك المتعلقة بحافظة المشاريع المصرح بها أو المسجلة قبل تاريخ إصدار هذا القانون، -متابعة مدى تقدم المشاريع الاستثمارية. (م 18 من المشروع زائد م 6 من الأمر رقم 01-03 المذكور أعلاه). 3-شبابيك وحيدة على مستوى الوكالة وهي: -شباك مركزي وحيد يتكفل خصيصا بالمشاريع الكبرى والاستثمارات الأجنبية إذ يكون هو المحاور الوحيد ذو الاختصاص الوطني المنوط به القيام بكل الإجراءات اللازمة لتجسيد ومرافقة المشاريع الاستثمارية الكبرى والاستثمارات الأجنبية، -شبابيك وحيدة لا مركزية على المستويات المحلية إذ تكون هي المحاور الوحيد للمستثمرين ذات الاختصاص المحلي المنوط بها القيام بمساعدة ومرافقة المستثمرين في إتمام الإجراءات المتعلقة بالاستثمار.
تضم هذه الشبابيك (الشباك الوحيد للمشاريع الكبرى والاستثمارات الأجنبية والشبابيك الوحيدة اللا مركزية ممثلي الإدارات والهيئات المكلفة مباشرة بتنفيذ الإجراءات المتعلقة ب: -تجسيد المشاريع الاستثمارية، -منح المقررات والتراخيص وكل وثيقة لها علاقة بممارسة النشاط المرتبط بالمشاريع الاستثمارية، الحصول على العقار الموجه للاستثمار، -متابعة الالتزامات المكتتبة من طرف المستثمر. يؤهل ممثلو الإدارات والهيئات لدى الشبابيك الوحيدة بمنح، في الآجال المحددة قانونا، كل القرارات والوثائق والتراخيص التي لها علاقة بتجسيد واستغلال المشاريع الاستثمارية المسجلة على مستوى هذه الشبابيك. (م 19-22 من المشروع). 4-“منصة رقمية للمستثمر” تسيرها الوكالة ومن شأنها: -توفير كل المعلومات اللازمة، على الخصوص حول فرص الاستثمار في الجزائر، والعرض العقاري والتحفيزات والامتيازات المرتبطة بالاستثمار وكذا الإجراءات ذات الصلة، -السماح للإدارات والهيئات المكلفة بالعمليات الاستثمارية بإزالة الطابع المادي عن كافة الإجراءات والقيام بواسطة الإنترنت بجميع التدابير المتصلة بالاستثمار، -توجيه ومرافقة الاستثمارات ومتابعتها انطلاقا من تسجيلها وأثناء فترة استغلالها، خاصة وأنها “المنصة الرقمية” متصلة بينيا بالأنظمة المعلوماتية. (م 23 من المشروع).
و- استحداث أنظمة جبائية، ضريبية وجمركية، محفزة جدا للاستثمار مثل: أ-الأنظمة التحفيزية المكرسة للاستثمارات في القطاعات ذات الأولوية والتي تسمى “أنظمة القطاعات”، وتستفيد منها الاستثمارات المنجزة في نشاطات: -المناجم والحاجر، الفلاحة وتربية المائيات والصيد البحري، -الصناعة والصناعات الغذائية والصيدلانية والبتروكيميائية، -الخدمات والسياحة، -الطاقات الجديدة والطاقات المتجددة، -اقتصاد المعرفة وتكنولوجيات الإعلام والاتصال. كما تستفيد هذه الاستثمارات، زيادة على التحفيزات الجبائية وشبه الجبائية والجمركية المنصوص عليها في القانون العام من عدة مزايا وإعفاءات جبائية، ضريبية وجمركية حسب الأنماط والأوضاع والمراحل التي تمر بها عمليات إنجاز المشاريع الاستثمارية وهي، طبقا للمادة 27 من المشروع، كالتالي:
1-في مرحلة الانجاز:
-الإعفاء من الحقوق الجمركية فيما يخص السلع المستورد التي تدخل مباشرة في إنجاز الاستثمار،
-الإعفاء من الرسم علي القيمة المضافة فيما يخص السلع والخدمات المستوردة أو المقتناة محليا التي تدخل مباشرة في إنجاز الاستثمار،
-الإعفاء من دفع حق نقل الملكية بعوض والرسم على الإشهار العقاري عن كل المقتنيات العقارية التي تتم في إطار الاستثمار المعني،
-الإعفاء من حقوق التسجيل المفروضة فيما يخص العقود التأسيسية للشركات والزيادات في الرأسمال،
-الإعفاء من حقوق التسجيل والرسم على الإشهار العقاري ومبالغ الأملاك الوطنية المتضمنة حق الامتياز علي الأملاك العقارية المبنية وغير المبنية الموجهة لإنجاز المشاريع الاستثمارية.
-الإعفاء من الرسم العقاري على الملكيات العقارية التي تدخل في إطار الاستثمار لمدة عشر سنوات، ابتداء من تاريخ الاقتناء،
في مرحلة الاستغلال:
صمن مدة تتراوح من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات ابتداء من تاريخ الشروع في الاستغلال:
-الإعفاء من الضريبة على أرباح الشركات (IBS)،
-الإعفاء من الرسم علي النشاط المهني (TAP).
تم استحداث أنظمة جبائية، ضريبية وجمركية، محفزة جدا للاستثمار مثل: الأنظمة التحفيزية المكرسة للاستثمارات في القطاعات ذات الأولوية والتي تسمى “أنظمة القطاعات”، وتستفيد منها الاستثمارات المنجزة في نشاطات: المناجم والحاجر، الفلاحة وتربية المائيات والصيد البحري، الصناعة والصناعات الغذائية والصيدلانية والبتروكيميائية، الخدمات والسياحة، الطاقات الجديدة والطاقات المتجددة، اقتصاد المعرفة وتكنولوجيات الإعلام والاتصال.
أما طبقا للمادتين 28 و 29 من المشروع، وبالنسبة للاستثمارات القابلة للاستفادة من “نظام المناطق” والمنجزة في: –المواقع التابعة للهضاب العليا والجنوب والجنوب الكبير، -المواقع التي تتطلب تنميتها مرافقة خاصة من الدولة، -المواقع التي تمتلك إمكانيات من الموارد الطبيعية القابلة للتثمين، والتي لا تكون الأنشطة المنجزة فيها غير مستثناة بموجب التشريع والتنظيم المعمول بهما فإنها تتمتع- زيادة على التحفيزات الجبائية وشبه الجبائية والجمركية المنصوص عليها في القانون العام- بالمزايا الآتية:
في مرحلة الانجاز: من المزايا المحددة في المادة 27 من مشروع هذا القانون.
في مرحلة الاستغلال: لمدة تتراوح من خمس سنوات إلى عشر سنوات ابتداء من تاريخ الشروع في الاستغلال: -الإعفاء من الضريبة على أرباح الشركات (IBS)، -الإعفاء من الرسم علي النشاط المهني (TAP).
أما طبقا للمادتين 30 و31 من المشروع، وبالنسبة للاستثمارات ذات القُدرة العالية لخلق الثروة واستحداث مناصب الشغل والتي من شأنها الرفع من جاذبية الإقليم وتكون قوة دافعة للنشاط الاقتصادي من أجل تنمية مستدامة قابلة للاستفادة من “نظام الاستثمارات المهيكلة” فإنها تتمتع- زيادة على التحفيزات الجبائية وشبه الجبائية والجمركية المنصوص عليها في القانون العام- بالمزايا الآتية:
في مرحلة الانجاز: من المزايا المحددة في المادة 27 من مشروع هذا القانون. ويمكن تحويل مزايا مرحلة الانجاز هذه إلى الأطراف المتعاقدة مع المستثمر المستفيد، المكلفة بإنجاز الاستثمار لحساب هذا الأخير.
ابتداء من تاريخ الشروع في الاستغلال لمدة تتراوح من خمس سنوات إلى عشر سنوات يتم الإعفاء من الضريبة على أرباح الشركات (IBS)، الإعفاء من الرسم علي النشاط المهني (TAP). يمكن أن تستفيد الاستثمارات المهيكلة من مرافقة الدولة عن طريق التكفل، جزئيا أو كليا، بأشغال التهيئة والمنشآت الأساسية الضرورية لتجسيدها، على أساس اتفاقية تعد بين المستثمر والوكالة التي تتصرف باسم الدولة وذلك بعد موافقة الحكومة.
في مرحلة الاستغلال: ابتداء من تاريخ الشروع في الاستغلال لمدة تتراوح من خمس سنوات إلى عشر سنوات من: -الإعفاء من الضريبة على أرباح الشركات (IBS)، -الإعفاء من الرسم علي النشاط المهني (TAP). يمكن أن تستفيد الاستثمارات المهيكلة من مرافقة الدولة عن طريق التكفل، جزئيا أو كليا، بأشغال التهيئة والمنشآت الأساسية الضرورية لتجسيدها، على أساس اتفاقية تعد بين المستثمر والوكالة التي تتصرف باسم الدولة وذلك بعد موافقة الحكومة.
يتبع…