الجزائر
مشاريع "تيكجدة وعين الدراهم" الجديدة كانت هنا

تاكسنة بعد نار الدمار… الحلم بعودة الجنة الخضراء

صالح عميرة
  • 210
  • 0
ح.م
تعبيرية

درجة الحرارة لا تزيد عن 22 صيفا والثلج يبقى إلى ماي

يقول رئيس بلدية تاكسنة بولاية جيجل، وهي واحدة من أخضر وأينع مناطق الجزائر، وأكثرها أدغالا، بأن ما لا يقل عن 90 بالمائة من الغطاء الغابي طالته النيران، وبعد أن عادت الحياة تدريجيا إلى طبيعتها وتيقن أهل المنطقة بأن خسائرهم سيتم تعويضها، عادت إلى الأذهان، المشاريع الكبرى في المنطقة ذات الجذب الفلاحي والسياحي الفريدة من نوعها لتعتصر الأمنيات، فبعد النار معاودة الإخضرار… هذا ما ورثه أبناء المنطقة جيلا عن جيل، من نار الاستعمار إلى نار الإرهاب، كان الأخضر دائما هو المنتصر.
تاكسنة كانت تلك المنطقة الثائرة على الاستعمار وسجلت بكل ركن وكل مغارة وجبل وقرية أعتى المعارك، وقدمت ما لا يحصى من الشهداء، وإزاء ذلك لم يكن من الغريب أن تكون تاكسنة واحدة من أولى المناطق التي تحررت من الاستعمار، حيث تم إجلاء قوات المستعمر ذليلا في 16 أفريل 1958 ومن أهم المعارك التي خاضها جيش التحرير بالمنطقة معركة السقاطة ومعركة واد الرحى ومعركة الماء البارد، هذه المنطقة الأخيرة التي ظلت أمل السلطات المحلية منذ نصف قرن في أن تكون تيكجدة الثانية لما لها من مقومات طبيعية نادرة.
البداية كانت في ثمانينيات القرن الماضي حين كانت فضاء للتخييم صيفا وعرفت آلاف السياح النازلين بها حتى من خارج الوطن، إلا أن الظروف الأمنية التي شهدتها تاكسنة ككل بلديات الولاية أوقف حلم مشروع منتجع سياحي على ارتفاع 1500 متر ومشروع “عين الدراهم” الجزائري (مقابلة لعين الدراهم التونسية)، أين كان يدور الحديث وقتها في بناء أكبر منتجع رياضي في الجزائر يمنح الثلج شتاء والأوكسجين صيفا، وقامت دراسات في هذا الشأن على مستوى عال، غير أنه كما ذكرت سقطت أوراق الماء البارد كما أوراق أخرى حين كان البقاء على الحياة ومكافحة المارقين والقتلة هو أهم المشاريع التي تبقي الوطن واقفا، قبل أن تعود بقايا الحلم لجيل يعرف تاكسنة من بداية الزعتر إلى آخر الجنة كما قال البروفيسور سعيد بوطاجين في عنوان أحد مؤلفاته الأخيرة.

منتجع الثلج الجديد
وفعلا عاد الحلم رغم النار التي أكلت ما أكلت من الغطاء الغابي، ورغم كونه كان محتشما في البداية، لما تم إعلان افتتاح موسم الاصطياف السنة الماضية من منطقة الماء البارد، وكان الاكتشاف المثير بالنسبة لجل المسؤولين الذين حضروا هذا المهرجان، وكان الحدث الذي أحيا الحلم القديم لجيل ظل يراهن على “تيكجدة” ثانية بجيجل. وآمنت به السلطات المحلية بعد أشهر من ذلك باستفادة المنطقة من مشروع الطريق بطول 3.5 كم بغلاف مالي قدره ثلاثة ملايير سنتيم ضمن برنامج صندوق الضمان والتضامن للجماعات المحلية، وسبق هذا المشروع، مشروع الإنارة العمومية بالطاقة الشمسية، وخلق فضاءات للترفيه والرياضة.
وحسب رئيس البلدية باز مسعود، فإن رهان المجلس الشعبي البلدي هو التأسيس للسياحة الجبلية بعد أزمة النيران، بخلق منتجعات سياحية ليس بمنطقة الماء البارد فقط ولكن بمناطق أخرى، خاصة وأن مستقبل البلدية لا يمكن أن نتحدث عنه بلغة التنمية والاقتصاد إلا من باب الثروة الغابية والسياحة الجبلية التي يراها المسؤول المحلي كنزا قلّ مثيله في مناطق أخرى. والدليل هو مشروع شتيت بالمخرج الجنوبي للبلدية الذي منح لأحد الخواص منذ سنوات وهو في لمساته الأخيرة وينتظر أن يدشن قريبا، والذي شهد هذه الصائفة توافدا كبيرا من طرف المصطافين رغم أنه لم يدخل الخدمة بعد قبل كارثة أواخر شهر أوت، وهو ما شهدناه أيضا في منطقة الماء البارد هذه الصائفة قبل عاصفة النار.
غير أنه وحسب رئيس البلدية دائما فإن أهم العراقيل التي تقف حجر عثرة في وجه مشروع تاكسنة عاصمة السياحة الجبلية، هي النصوص التنظيمية الخاصة بالغابات.

الماء البارد اسم على مسمى
التسمية جاءت نسبة إلى منبع مائي طبيعي عذب على علو يقارب 1400 متر وكان سببا في شهرة المنطقة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تزامنا والمخيمات الصيفية التي كانت تقام هناك، ويعتبر الموقع جزءا من سلسلة جبال قروش وتبابورت، حيث الأولى تنتمي إلى بلدية لعوانة والثانية هي جبل بابور التابع إقليميا لبلدية بابور بولاية سطيف، وتحاذي الماء البارد بلدية سلمى بن زيادة الواقعة شمال وادي جنجن الذي يقسم سلسلة الأطلس التلي، وتعتبر قمة مسيد الشتاء هي أعلى قمة بتاكسنة (1543) ما يجعلها في فصل الشتاء بيضاء بفعل الثلوج الكثيفة، خاصة بالقمة التي عادة لا يغادرها الثلج إلا نهاية الربيع.

وهذا الأبيض الناصع هو ما جعل المنطقة محطة لعشاق الطبيعة، إذ تشهد المنطقة إنزالا سياحيا لهواة الثلوج والتسلق القادمين من مختلف جهات الوطن خلال العشريتين الأخيرتين.
من جهة أخرى، تكسو المنطقة أشجار الزان العملاقة والسرو والصنوبر والكستناء والقيقب والأرز الأطلسي، ما سمح لعشرات الأنواع من الحيوانات والطيور أهمها طائر كاسر الجوز القبائلي الذي يعد من الطيور التي أضافها الإتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، ومن الأنواع المهددة بالانقراض، حيث لا يوجد إلا في الجزائر وبالضبط في مثلث بوعفرون وبابور والماء البارد، وقد تم اكتشافه في أكتوبر 1975 من طرف العالم البلجيكي جون بول ليدون jean paul ledant.
فغابات الماء البارد كانت دائما وستبقى رغم النار، ملاذ المصطافين، خاصة من مناطق الجنوب الجزائري، وكذا المغتربين الذين انبهروا بهذا الكوكب الأخضر أين تختفي السماء عن الأعين ولا يبدو أمامها إلا الكساء الأخضر الذي يحاصرها من كل الجهات، ورغم وضعية الطريق، إلا أن المنطقة كانت الملاذ لآلاف المصطافين هذا الصيف، خاصة وأن درجة الحرارة لا تتعدى 22 درجة في منتصف النهار قبل أن تتراجع بغروب الشمس إلى حدود 15 درجة، بينما ليلا فكأنك تعيش خارج الصيف لتصل تحت العشر درجات.
صحيح أن النار أضرت بتاكسنة وحولت الاخضرار إلى سواد، لكن الأخضر دائما ينتصر، وستعود إلى طبيعتها على أمل أن تجد مشاريعها المبرمجة من زمان من تكجدة الجديدة إلى عين الدراهم الجديدة، قدر تاكسنة دائما الانتصار للأخضر، والأخضر فقط.

مقالات ذات صلة