تبون يرسم خارطة الطريق.. والأنظار تتجه إلى الحكومة الجديدة
يرتقب أن يقدم الوزير الأول نور الدين بدوي استقالة حكومته إلى الرئيس الجديد عبد المجيد تبون، مساء الخميس، في تقليد سياسي جعل من استلام استقالة الحكومة أول نشاط رسمي للرئيس الجديد بعد أدائه اليمين الدستورية، وسط حضور كبار المسؤولين في الدولة من مدنيين وعسكريين.
يؤدي الوافد الجديد لقصر المرادية عبد المجيد تبون اليمين الدستورية، الخميس، ليستلم مهامه في تسيير شؤون البلاد بصفة رسمية، ويرجح مباشرة أن يتوجه رئيس الجمهورية مباشرة بعد ذلك بخطاب للأمة يحدد فيه المعالم الكبرى للملفات ذات الأولوية بالنسبة له، سواء ما تعلق بالحوار المرتقب مع ممثلي الحراك الذي دخل شهره العاشر بسقف مطالب مازال يرتفع إلى آخر جمعة من جمعاته، أو ما تعلق بشق الشراكة السياسية المرتقبة، والتي ستحدد معالمها المشاورات المنتظرة بين مختلف الأطياف السياسية الممثلة، خاصة وأن الرجل وعد بتشكيل حكومة ائتلافية تعكس شراكة حقيقية بين السلطة والأحزاب الممثلة، دون إغفال مخرجات ومطالب الحراك الذي مازال يعد رقما مهما في المعادلة السياسية.
مراسيم تأدية اليمين الدستورية التي أشرفت رئاسة الجمهورية على التحضير لها خرجت عن التقليد المعمول به في مثل هكذا مناسبات، وأقرت إجراءات جديدة في التنظيم استبعدت نواب المجلس الشعبي الوطني وأعضاء مجلس الأمة، واكتفت بتمثيلها عبر هياكل الغرفتين فقط، كما استبعدت الرئاسة في سابقة هي الأولى من نوعها حضور التنظيمات وممثلي المجتمع المدني والجمعيات وغيرها ممن كان يحرص النظام السابق على حضورهم أداء اليمين، ويعتبر هذا الاستبعاد مؤشر واضح على إرساء القطيعة مع أساليب وطرق النظام السابق في التجنيد وإبداء الولاء.
مراسيم أداء اليمين سيحضرها كبار المسؤولين في الدولة من مدنيين وعسكريين، بداية من رئيس مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني ورئيس المجلس الدستوري وطبعا رئيس المحكمة العليا، والوزير الأول وأعضاء حكومته.
كما سيحضر مراسيم أداء اليمين نائب وزير الدفاع، قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح وقيادات الأركان، ورؤساء مختلف الهيئات الأمنية، ويرجح حسب مصادر الشروق أن يكون للرئيس الجديد لقاءات جانبية على هامش مراسيم تأدية اليمين منها استقبال قائد الأركان نائب وزير الدفاع، واستقبال منافسيه الأربعة في رئاسيات 12 ديسمبر، وفور انتهاء مراسيم أداء اليمين وتوجيه خطاب للأمة، سيتوجه تبون مباشرة إلى مقام الشهيد للوقوف دقيقة صمت وقراءة الفاتحة على أرواح شهداء الثورة التحريرية، قبل أن يأخذ طريقه إلى مبنى رئاسة الجمهورية ويسجل أول يوم له بقصر الرئاسة.
وجرى التقليد أن يكون أول نشاط للرئيس الجديد استقبال الوزير الأول وتقديم استقالة حكومته، وإن كان الدستور لا يلزم الوزير الأول بذلك، إلا أن المسؤولية السياسية تستوجب ذلك، وإن كان لتبون الحرية الكاملة في الموافقة على استقالة الحكومة أو تمديد عمر بقائها إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن تبون لن يفعلها، طالما أن رحيل بدوي ظل دوما مطلبا أساسيا ضمن مطالب الحراك، ورحيله سيكون بمثابة أول إجراء من إجراءات التهدئة التي لا يستبعد أن تكون ضمن خطاب تبون هذا الخميس.
وعند نقطة تشكيل الحكومة الجديدة، اعترف الرئيس الجديد أن مهمة تشكيلها ستكون صعبة وثقيلة، ذلك لأنه يعي جيدا أنها أول ورقة تثبت حسن النية في التعامل مع الحراك وتحقيق مشروع الجزائر الجديدة، فرهان الحكومة كبير ويتعلق بتشبيب الطاقم الحكومي والقطيعة مع وجوه وأحزاب مناصري العهدة الخامسة، وهو شخصيا أكد في أول تصريح له عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات أن “أصعب” مهمة تنتظره هي تشكيل الحكومة الجديدة، مؤكدا أن الجميع “سيفاجأ بوزراء شباب جدد من الجنسين عند عمر 27 سنة”.
بعد أدائه اليمين الدستورية حس بما ينص عليه الدستور، يكون أمام الرئيس المنتخب مهلة للمشاورات وتعيين الوزير الأول الجديد، وسبق للمكلف بالإعلام في حملته الانتخابية وأن أكد في حصة خارج الصندوق للشروق نيوز أن تبون سيتشاور مع ما تبقى من مؤسسات الدولة لتعيين الوزير الأول والذي إن وفق في اختياره على مبدأ أن يكون شخصية توافقية فيكون قد قطع شوطا كبيرا في إقناع الحراك بالحوار، نظرا للوضعية التي تعيشها الجزائر سياسيا واقتصاديا والتي تتطلب المراهنة على كفاءة بإمكانها أن تبعث نفسا جديدا داخل الجهاز التنفيذي لإعطاء صورة التغيير التدريجي الذي تطمح إليه البلاد منذ 22 فيفري.
بعيدا عن ملامح الوزير الأول لحكومة تبون الأولى، ومدى إمكانية التوافق والتشاور بخصوص تعيين الوزير الأول، وفي الشق القانوني فتعيين الوزير الأول يتم “بعد استشارة الأغلبية البرلمانية”، مثلما تنص عليه المادة 91 من الدستور، بالإضافة إلى أن “تعيين أعضاء الحكومة بعد استشارة الوزير الأول الذي ينسق عمل الحكومة” وتعد هذه الأخيرة “مخطط عملها وتعرضه في مجلس الوزراء”، حسب المادة 93 من الدستور، وامتثالا للنص الدستوري يكون تبون ملزما بتعيين وزيره الأول الذي يبدو أنه لن يكون من الأغلبية البرلمانية ولن يكون بقبعة سياسية بعد مشاورات حزب الأغلبية البرلمانية، ويبدو أن الأمر مستبعد هذه المرة لعدة اعتبارات أولها أن حزب الأغلبية البرلمانية لم يدر ضمن فلك الرئيس المنتخب، بل أصدر أوامر بعدم دعمه ودعم مرشح آخر، كما أن الوضع السياسي الاستثنائي يرفع على تبون حرج استشارة حزب الأغلبية، لأن رحيل هذا الحزب وإدخاله المتحف يعد مطلبا شعبيا.
أما ثاني مؤشر يستبعد الاستشارة التي تشير إليها المادة الدستورية، يكمن في أن المجلس الشعبي الوطني الحالي يمثل أحزاب الموالاة التي دعمت الرئيس المستقيل، وفي مثل هكذا وضعية فملامح الحكومية الإتلافية التي تحدث عنها تبون تستدعي تحالفات سياسية جديدة يكون عمادها الأساسي مخرجات الرئاسيات الأخيرة ونتائجها التي فضحت الأحزاب التقليدية وأعادت صياغة المعادلة السياسية الجديدة والتي منحت حركة “البناء الوطني” لقب القوة السياسية الأولى في البلاد، وإلى حين فصل الرئيس في اسم الوزير الأول، الأكيد أن اختياره سيراعي المعطيات السياسية والاقتصادية الراهنة.