تجريم إنقاذ سكان غزة: قطر بندًا في الحملة الانتخابية الإسرائيلية
للدول، كما للأفراد، نصيبها من الأثر القائل: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء». فقد ظلّت أيادي الخير حصنًا لقطر من كيد الكائدين، ولم تكن تلك الصنائع مجرد قرار دولة بقدر ما كانت طبعًا وشيمًا وقيمًا راسخة. ولم تكن منًّا ولا دعاية للبلاد، بل ذخرًا عند الله، عائدها حفظ خير الحافظين، ونِعَم ترفل بها البلاد.
ولكن، كما قال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشرَ فضيلةٍ طُويتْ أتاح لها لسانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النار فيما جاورتْ ما كان يُعرَفُ طيبُ عَرْفِ العودِ
هروبًا من مسؤوليتهم عن حرب الإبادة في غزة، حاول المحتلون إلقاء اللائمة على قطر، فأشعلوا النار في العود بحملة اتهامات، مع أن كل ريال قطري خاضع للتدقيق من الأجهزة الأميركية والإسرائيلية. ولم يقف الحسد عند اتهامات ما قبل السابع من أكتوبر، بل امتد إلى المساعدات التي أعقبته؛ فرغم حرب الإبادة، ونقص المياه والوقود والدواء وكل ضرورات الحياة، وفي ظل الاحتلال الكامل، عُدّت هذه المساعدات دعمًا لحماس.
وآخر فصول هذه الحملة ما تقدّمه صحيفة «يسرائيل هيوم» (إسرائيل اليوم)، إذ تعرض المساعدات القطرية لغزة، التي تجاوزت مئة مليون دولار منذ السابع من أكتوبر، على أنها كشف مثير.
تجريم إنقاذ سكان غزة: قطر بندًا في الحملة الانتخابية الإسرائيلية
وتشمل هذه المساعدات، بحسب ما تورده الصحيفة نفسها، ثلاثين مليون لتر من الوقود، ووجبات للنازحين، وخيامًا وسلالًا غذائية ومستلزمات شتاء، وإزالة أنقاض، ومشروعات بنية تحتية. المادة التي تعرضها الصحيفة تتعلق إذن باحتياجات المدنيين، لكنها تضعها تحت عنوان «نتنياهو يموّل حماس».
يقول نفتالي بينيت: «هذا ليس عنوانًا من أكتوبر 2023. هذا عنوان من اليوم، أكتوبر 2026». ويضيف أن نتنياهو «لا يزال يرفض تعريف قطر بأنها دولة عدو»، وأنه «يواصل تشغيل عميل قطري في مكتبه حتى هذه اللحظة». ثم يعلن وعده الانتخابي صراحة: «قريبًا سنستبدلهم، ونصنّف قطر دولة عدو، ونصلح إسرائيل».
ولا يقف الهجوم عند بينيت. فالمادة تحشد طيفًا يمتد من يسار المعارضة إلى يمينها. يائير غولان، رئيس حزب «الديمقراطيين»، يقول إن نتنياهو «يسمح للقطريين بمواصلة ضخ مئات الملايين من الدولارات حتى اليوم»، فيتضخم الرقم في خطابه من مئة مليون إلى «مئات الملايين». وعوديد فورير من «إسرائيل بيتنا» يقول إن المال الذي يصل إلى حماس «لا يصبح بريئًا لمجرد أنه يُحوَّل عبر الدوحة»، وزميلته يوليا مالينوفسكي تعدّ الموافقة على إدخال الوقود فقدانًا كاملًا للصواب، أما حزب عوفر فينتر فيحوّل الخبر إلى حملة لتعيينه وزيرًا للدفاع. وفي صدر الصفحة تنقل الصحيفة عن يائير لبيد قوله: «إذا بقي نتنياهو في منصبه، فسيتكرر سيناريو 7 أكتوبر».
إجماع انتخابي قبل أن يكون أمنيًا
دلالة هذا الإجماع انتخابية قبل أن تكون أمنية. فالمعلّق الإسرائيلي سيغال يورد، في نشرته الصادرة يوم 11 أكتوبر، استطلاعًا لمعهد كانتار يفيد بأن 42% مقابل 28% ممن لديهم رأي يعتقدون أن إخفاق السابع من أكتوبر كان سيقع في ظل حكومة أخرى أيضًا. ويرى أن المعارضة خسرت من رصيدها خلال الشهر الأخير حين ركّزت على التحذيرات المصرية أو الإماراتية السابقة للهجوم، وأن نتنياهو استبدل حملة «لن نستسلم» بشعار «اليمين أو فلسطين».
في هذا السياق تصبح الأموال القطرية بديلًا انتخابيًا مريحًا للمعارضة. فهي تتيح لها إحياء حجة «التصوّر» دون الدخول في سجال الإخفاق العسكري الذي لا يقنع الناخب، وتتيح لها المزايدة على نتنياهو في ملف لا يدفع فيه أحد داخل إسرائيل ثمنًا. والمرجّح إذن أن يتصاعد هذا الخطاب حتى يوم الاقتراع، وأن تبقى قطر بندًا ثابتًا في المناظرات والإعلانات.
لماذا قطر؟
لا تُفهم الحملة على قطر بمعزل عن المكانة الدولية التي بلغتها الدوحة، ولا سيما في عهد إدارة ترمب. فقطر باتت وسيطًا لا غنى عنه في ملف غزة، وشريكًا تتعامل معه واشنطن بوصفه ركيزة في ترتيبات المنطقة، إلى حد أن الضربة الإسرائيلية على الدوحة في سبتمبر 2025 انتهت بتعهدات أميركية بأمن قطر بدلًا من عزلها. هذه المكانة بحد ذاتها مصدر إزعاج لإسرائيل، لأنها تعني وجود فاعل عربي يملك نفوذًا في واشنطن دون أن يمر عبر البوابة الإسرائيلية.
ويضاف إلى ذلك رفض قطر الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية. فهذه الاتفاقات، في صيغتها الراهنة، ليست اتفاقات سلام وتطبيع بقدر ما هي مشروع تحالف عسكري أمني بقيادة إسرائيلية، يُراد له أن يعيد ترتيب المنطقة حول المركزية الإسرائيلية، وقد استفزّ بهذه الصفة دول المنطقة جميعًا، بما فيها دول لم تُغلق باب التطبيع من حيث المبدأ. وقطر، برفضها الدخول في هذا الإطار، تقدّم نموذجًا مختلفًا: دولة صديقة لواشنطن، حاضرة في الوساطة، لكنها لا تقبل أن يكون الثمن تصفية القضية الفلسطينية أو الالتحاق بمنظومة أمنية تقودها إسرائيل.
ومن هنا يتضح أن المشكلة ليست في المساعدات ذاتها، بل في الجهة التي تقدّمها. فلو كانت قطر عضوًا في التحالف الإبراهيمي، لرحّبت إسرائيل بمساعداتها لغزة وقدّمتها دليلًا على نجاح نموذجها الإقليمي. والشاهد على ذلك أن مساعدات دول منخرطة في هذا الإطار دخلت غزة خلال الحرب نفسها بتنسيق إسرائيلي، من مستشفيات ميدانية إلى خطوط مياه، دون أن تتحول إلى عنوان انتخابي عن «تمويل حماس». الوقود والخيام والسلال الغذائية لا تتغير طبيعتها بتغيّر المانح؛ الذي يتغير هو الموقف السياسي للمانح من المشروع الإسرائيلي.
الاتهام يحمل نقيضه
تقرّ الصحيفة نفسها بأنه «رسميًا، حُوِّلت الأموال إلى مشروعات إنسانية لصالح السكان»، لكنها تزعم أن هذه الأموال أفادت حماس بصورة غير مباشرة لأنها «أعفتها من الاهتمام باحتياجات المدنيين، وأتاحت لها تخصيص ميزانيات لأغراض أخرى». هذا المنطق يجعل إطعام المدنيين وتوفير الوقود والمياه لهم موضع اتهام، إذ يكفي وجود جهة مسلحة في المنطقة لتجريم مساعدتهم. والعبارة الأخيرة استنتاج تقدّمه الصحيفة، لا دليلًا مستقلًا على تحويل المبالغ المعلنة إلى الجهاز العسكري لحماس.
والأهم أن الفقرة التي يستند إليها الاتهام تحمل نقيضه. فالصحيفة تقول إن تحويل الأموال تمّ «في خطوة حظيت بدعم دولي، ورافقها افتراض إسرائيلي بأن منع أزمة إنسانية سيتيح استمرار الضغط العسكري»، وتصف ما يهاجمه المعارضون بأنه «موافقة الحكومة على تحويل الأموال والوقود والمعدات إلى منظمات الإغاثة المحلية». أي إن المساعدات مرّت بموافقة إسرائيلية رسمية وبحساب إسرائيلي معلن، وإن الخلاف في حقيقته خلاف إسرائيلي داخلي تُستخدم فيه قطر هدفًا بديلًا عن الحكومة. فمن يتهم قطر يتهم في الواقع قرارًا اتخذته حكومته.
وتُدرج الصحيفة ضمن قائمة المشروعات عبارة تقول إن إزالة الأنقاض تمت «بالتعاون مع أجهزة حماس»، دون أن تحدد مصدر هذه الصيغة أو تسندها بوثيقة. والعبارة مصمّمة لتُقتطع وتُتداول، غير أن ما يحسم الأمر ليس صيغة غامضة بلا مصدر، بل آليات التنفيذ والجهات المنفذة والرقابة التي جرت المساعدات في إطارها، وكلها مرّت بعلم الحكومة الإسرائيلية وموافقتها.
إنقاذ المدنيين ليس تمويلًا للإرهاب
تجريم المساعدات يخدم استمرار الحصار وتجويع السكان، وإنقاذ المدنيين لا يجوز تقديمه بوصفه تمويلًا للإرهاب. قطر تساهم انطلاقًا من مسؤولية أخلاقية والتزام سياسي تجاه فلسطين، والحل الذي تحتاجه القضية هو إنهاء الاحتلال، لا تحويل إغاثة شعب واقع تحت الاحتلال إلى تهمة.
منذ أوسلو، انتقل جانب كبير من إدارة الحياة اليومية إلى السلطة الفلسطينية، مع بقاء القيود على الموارد والحركة والاقتصاد. فلا تملك السلطة اقتصادًا مستقلًا يتيح لها تمويل احتياجات السكان، ولا سيطرة كاملة على المنافذ والموارد. وفي غزة، جعل الحصار والحرب الاحتياجات أكبر بكثير من قدرة قطر أو أي دولة بمفردها: مياه الشرب، والعلاج لعشرات الآلاف من الجرحى، والتأهيل، والعلاج النفسي، والسكن، وإعادة بناء الحياة اليومية.
والحقيقة أن قطر تساهم بالقليل لإنقاذ حياة من بقي، وهي لا ترى أنها أدّت كل ما ينبغي أداؤه. ولو استطاعت الوصول المباشر والسريع إلى المحتاجين لزادت مساعداتها. وما يُؤسَف له أنها لا تستطيع إيصال المزيد إلى مستحقيه، مع رغبة الدولة والمجتمع القطري والجمعيات الخيرية في تقديم مساعدة أكبر.
وهذه المساعدات تقع في صلب الالتزامات الدولية وخطة السلام التي قبلتها إسرائيل، وتخضع لآليات رقابة والتزامات مالية محددة. ووضعها في هذا السياق يكفي للفصل بين مساعدات إنسانية معلنة وتمويل عسكري، ويعيد النقاش إلى المسؤولية عن حياة السكان بدلًا من تجريم من يساعدهم.
وتقدّم «ديلي تلغراف»، من حيث لا تقصد، ما يدحض رواية «يسرائيل هيوم». فهي تقول إن أكثر من 1400 فلسطيني قُتلوا في غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل عام، وإن ثلثي السكان البالغ عددهم 2.1 مليون يعيشون في خيام ومآوٍ مؤقتة. وتنقل عن مصدرين من داخل مجلس السلام أن الأطراف تناقش حاليًا «حزمة لفصل الشتاء» ومحادثات لتحسين «المياه والصرف الصحي» في القطاع. أي إن الإطار الدولي الذي ترعاه واشنطن يضع في صدارة أولوياته النوع ذاته من المساعدات الذي تقدّمه «يسرائيل هيوم» تمويلًا لحماس. ويضيف المصدران أن حماس وافقت رسميًا على خطة أقرّها المجلس للتخلي عن سلاحها مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي. فالمساعدات القطرية، بهذا المعيار، جزء من مسار التسوية، لا خروج عليه.