الرأي

تحريفُ الإنجيل

في الحروب الظالمة، التي يطلب دُعاتها وقادتها الثروات واستعباد الناس أو إبادتهم، يجب ألا يُذكَر الدين أبدا، ولا ما في الكتب السماوية، حتى ولو كانت محرَّفة، كما هي حال الإنجيل والتوراة، المتواجدين بين أيدي الناس في العصر الحالي، ومع ذلك ومنذ غزوة السابع من أكتوبر 2023، ونتانياهو من جهة، ورجالات الحرب الأمريكيون من جهة أخرى، يقرؤون على مسامعنا ما يساعدهم ويدعّم جبروتهم، زيفا وتحريفا، من كتب عتيقة، بقدر ما حُرِّفت عبر الأزمان، بقيت مهذبة قابلة للقراءة والاستماع.
وزير الحرب الأمريكي “بيت هيفسيت”، في أحد المؤتمرات الدينية في قلب البنتاغون، قرأ نصًّا نسبه لـ”سَفَر حزقيال” الإنجيلي، وهو في قمة التأثر، يتحدَّث فيه عن ضرورة محاربة العدو ومحاصرته وإخراجه من أرضه، ليبيِّن للجمع أن ما يقوم به دونالد ترامب في حربه على إيران، عبر وزير حربه، مباركٌ من السماء، ليتضح أن ما قرأه وزيرُ الحرب، وكاد أن يذرف الدموع تأثرا به، إنما هو مقطعٌ من فيلم “أكشن” أمريكي معروف، كان بطله المغامر يكرِّر تلك الجملة، التي كرّرها وزير حرب الولايات المتحدة، بعد أكثر من ثلاثين سنة عن ظهور الفيلم الأمريكي “بيلب فيكشن” المثير.
لم تختلط الأمور على رجل الحرب الأمريكي الأول، فلا هو قرأ من قبل، أسفار حزقيال التي تزعم بناء الهيكل، وعودة الشعب اليهودي إلى “أرشليم”، ولا أسفار أشعياء ولا دانيال ولا غيره، بل كان فتى عاشقا لأفلام هوليود، لا يتفرَّج عليها ويتمتع برواياتها الشيقة فقط، وإنما يحفظ ما يقوله أبطالها، ومنهم بطل الفيلم الشهير الممثل الأمريكي “صامويل جاكسن” صاحب المقولة المكررة.
دخل البيت الأبيض العديد من الرؤساء، الذين عملوا ممثلين أو حلموا بالتمثيل في هوليود، ومنهم الرئيس الأسبق رونالد ريغن، الذي احترف التمثيل، واشتغل نقيبا للفنانين، قبل دخوله الحقل السياسي، وعشق دونالد ترامب التمثيل أيضا وله أدوار ثانوية في بعض الأفلام، ولكنه فشل في الحصول على البطولة المطلقة، وهو يحاول الآن تجسيدها في حروب واقع في مختلف القارات، بدأت ولم تنته، ويمنح أدوار “الكمبارس” للمحيطين من حوله من وزراء حرب وخارجية، لأجل ذلك تختلط عليهم الأمور الفنية بالواقع وبالدين، فيتلو أحدهم لقطة فنية على أنها من الأسفار الأرثوذوكسية، ويصارع آخر البابا، ويصرّ على أنه وحده على حق، والبقية في ضلال.
كل ما يحدث في القدس الشريف، في العقود الأخيرة من تنكيل بالتراث الإسلامي وبالمقدَّسات على وجه الخصوص، هو نتاج لتحريف مزمن للتوراة. وكل ما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية من تجاوزات طالت كل البشرية، وليس المسلمين فقط، هو نتاج لتحريف مزمن للإنجيل.
ما يحزّ في النفس أنَّ لنا قرآنا محفوظا، غير محرَّف، ولا نطبِّقه، ولهم كتبٌ محرَّفة مع سبق إصرارهم وترصُّدهم … ويُطبِّقونها.

مقالات ذات صلة