تحّڤرو سلعة بلادكم
كان فضيلة الشيخ أحمد حماني رحمه الهه، ذات يوم يُعقب بعلم ومنهجية وموضوعية على أحد المحاضرين الأجانب في أحد ملتقيات الفكر الإسلامي الزاهرة، التي أقبرها الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، وأعماهم الشيطان عن قوله – عز وجل – “والله مُتمّ نوره..”، وأقبرها الذين يزكون أنفسهم، كأنهم يملكون مفاتيح الجنة، ولا خير في غيرهم، فحجّروا واسعا..
كان رئيس الجلسة هو الدكتور (…) وكان يُكثر من النقر على الطاولة، طالبا من فضيلة الشيخ أن يتوقف عن الكلام، لأنه – في رأيه – قد أطال في تعليقه ، فما كان من الشيخ أحمد إلا أن استدار نحو ذلك الدكتور، وخاطبه قائلا: “علاه تحّڤرو سلعة بلادكم”، ونزل الشيخ من المنصة، ورجع مغاضبا إلى مكانه..
من هذا الاحتڤار لسلعة بلادنا ما وقع في هذه الأيام القليلة الماضية حيث جيء بشخص من “البدو”، ليُعلم الجزائريين ما لم يكونوا يعلمون، وأحيط بهالة من الحفاوة والاستقبالات والتنقلات والزيارات لبعض المؤسسات.
ظننّا أن هذا “الزائر” كسميّه “أوتي الحكمة”، وأنه سيأتي بما لم تستطعه الأوائل، وإن كان الأخير زمانه، وأنه سيغرقنا بـ “تجاربه”، وإن لم تشِب شعرة لا في رأسه ولا في لحيته، إلا أن يكون من المخضبين بالسواد على “مذهب” الملوك و”الشيوخ” الذين رضي عنهم ورضوا عنه “لاعتداله ووسطيته”، أو ما يسميه “بعضنا” (L’islam tranquille)، أي الإسلام الذي لا يزعج السارقين والمرتشين و…
فلما “أنصتنا” وألقينا أسماعنا سمعنا جعجعة ولم نر طحينا، فتمذهبنا بمذهب أبي حنيفة رغم “مرجعيتنا” المالكية، وقلنا “آن لنا أن نمد أرجلنا”.
لقد ذكرنا هذا “الوسيم” بأخ له من قبل جيء به ليس من البدو، ولكن من بلاد الشمس، طوكيو، إلى أحد الملتقيات، فلما اعتلى المنصة، اشرأبّت أعناقنا، وأرهفنا أسماعنا، راح “ينثر” علينا كلاما “غير هاك”، وظن أننا بهرنا، فلما ابهارّ النهار، وبدأت التعقيبات قام الأخ الدكتور (أ. ب) وقال له بلسان صريح فصيح: إن الذي قلته يعرفه أبسط تلاميذنا، واسمح لي أن أقول لك إن ثمن التذكرة التي بعثناها لك أغلى بكثير مما “تفضلت” به على مسامعنا.
ثار صاحبنا ثورة كاد فندق “الميركير”، حيث عقد الملتقى، لها يتزلزل، واحتج احتجاجا شديدا، وطلب أن يعتذر له.. وذهب كل ذلك مع الريح..
فيا من تحڤرون بلادكم كفوا عن هذا.. وثقوا في سلعة بلادكم، وكفى تبذيرا لأموال الجزائر.. و”إن الطيور على أشكالها تقع”.